رحى للمدن القديمة

نفخ الزجاج السوري التقليدي في دمشق

تحتفظ مدينةُ دمشق بطابَعِها العربي الأصيل إلى يومنا هذا، فمنذ القِدم اشتهرت بأعمال النسيجِ العادي والموشى، بالإضافةِ إلى حِرفة نفخ الزجاج، واشتهرت على نِطاقٍ واسع بحِرفة التَّصنيع والمعادن كالحفر والتنزيل والتكفيت (التطعيم)، السباكة الذهب والفضة.

وعَنيت إلى حد كبير بفنون العمارة واختصت الحرف خلال التاريخ بسوق تُعرض فيها السلع والنفائس ومازالت بعض هذه الأسواق قائمة حية تحتضن في جنباتها الحرفيين وتحكي قصة وتاريخ الحرفة.

ابتكار حرفة نفخ الزجاج

حِرفة نفخ الزجاج تُعد واحدةً من أهمِّ الحِرفِ التي أصبحت شبهَ منقرضَة في مدينة دمشقَ.

يعود ابتكارُ حِرفة النَّفخِ  في الزُّجاجِ قبل ألفي عام إلى الفينيقيين الذين طوروها خصوصاً في مدينةِ سربتا التي تقع على ساحل المتوسط بين صيدا وصور وجنوب لبنان.

وبحسبِ إحدى الأساطير، كان بعضُ التُّجار الفينيقيون يطهون طعامهم على شاطئ رملي في قدر بكتل من النطرون وعندما رأوا مادة غريبة تقطر منها أدركوا أن الزُّجاجَ قابل للتمدد والتَّشكل.

نفخ الزجاج السوري التقليدي (مشغل محمد الحلاق في دمشق لصناعة الزجاج اليدوي)

خطوات العمل بحرفة نفخ الزجاج

نوع الزجاج المستخدم

تعتمدُ حِرفةُ النَّفخ على إعادة تدوير الزُّجاجِ المكسورِ كمادةِ خامٍ كونها أقلُ تكلفةً مقارنةً مع تصنيعها بالمواد الخام (الرمل) الذي يُعد أعلى تكلفةً، فضلاً عن سهولة إعادة تدويرها والاستفادة من بقاياها.

تبدأ آلية تعشيق الزُّجاجِ بالنُّحاسِ، ثُمّ نفخ الزُّجاجِ بداخله، وبعد الانتهاء من مرحلة الشِّواء تنظّفُ وتلمّع، وتلبَّس قُطَع الزُّجاجِ بالذَّهبِ والفضة.

مراحل العمل

تبدأ مراحلُ العمل بتقسيم الزُّجاج لأجزاءٍ صغيرةٍ ثُمّ يُطحن وينقل إلى الفُرنِ ليصهر، وبعد استواء العجينة الزُّجاجية، تبدأ مرحلة الإنتاج حيث يؤخذ مقدارٌ معيّنٌ حسب التَّصميم المراد؛ ليُعطي النتيجة المطلوبة، ويُنفخ في كرة الزُّجاج ثمّ يتمُّ تدويرها بحركة مِغْزلية على طرف الأنبوب الحديدي ويسندها على سطحٍ أملس باردٍ لتأخذ شكل القرصِ.

نفخ الزجاج (مشغل محمد الحلاق في دمشق لصناعة الزجاج اليدوي)

فرن الشواء الخاص بحرفة نفخ الزجاج

يجب أن يتكوّن الفُرنُ المستخدمُ من ثلاثةِ أقسام، الأول لصهر الزُّجاجِ بدرجة حرارة (1200) مئوية حيث يتحول إلى سائل شفّافٍ مرن، والقسم الثاني لِصنعِ عجينة الزُّجاجِ بدرجة حرارة (1000) درجة مئوية وهو أنشفُ حيث يقومُ الحِرفيُّ بإدخال أَنْبوبٍ معدنيٍّ للفُرنِ، وإخراج السائل الزُّجاجي والنَّفخ بالأَنبوبِ للحصول على الشَّكل الذي يرغب بتشكيله.

يتمِّ فصل كل قطعة عن الأخرى باستخدام الماء البارد، ومنطقة الشوي تكون بدرجة حرارة 500 درجة مئوية لأن الزُّجاجَ إذا تعرَّض للجو البارد يتكسر حيث يُوضعُ في عربيات لها سِكَّةٌ تنزل درجة الحرارة لمدة 5 ساعات أو 6 ومن ثَمَّ تخرج لدرجة الحرارة الطبيعية، يترك الزُّجاجِ ليبردَ حتى لا ينكسر أو يتشقق، ومن ثَمَّ تبدأ مرحلةُ الصَّقل للمنتج ليصبح جاهزاً للاستخدام.

نفخ الزجاج
تشكيل الزجاج المنفوخ
فرن الشواء الخاص بحرفة نفخ الزجاج
فرن الشواء الخاص بحرفة نفخ الزجاج

الرسم على الزجاج

تنتقل القطعة إلى يد الرَّسام الذي بدوره يترك بصمته الخاصة بفنه اليدوي، وإبداعه، وابتكاره بزخارفَ، ونقوش وألوان متنوعة يضيفها عليها من ثَمَّ يُوضع بالفُرن إلى أن يَجِفَّ، ويَثْبُتَ لونه ثم يُطلى بمادة (اللّكر) لحمايته من ظروف البيئة المحيطة حسب (أبو محمود) الذي بيَّن أنّه يوجد داخل ورشته قِطعٌ فنية قديمة مشغولة منذ 40 عاماً.

تلوين الزجاج

تتمّ عملية تلوين الزُّجاجِ عن طريق (أكسيد الكوبلت) الذي يُعطي اللون الأزرق والكحلي، ولون التركواز الشامي نحصل عليه بإضافة أكسيد النُّحاس، بينما إذا تمّت إضافة أكسيد المنغنيز يعطي الزُّجاج اللون التوتي لافتاً حتى يثبت اللون، يتمُّ عن طريق إعادةِ المنتج إلى الفُرن مرةً أخرى، ونرى اللونين (العسلي والأخضر) متوفرين بالزُّجاج المعاد تدويره.

رَغم أنَّها مهنةٌ صعبةٌ، وتحتاج إلى صبرٍ طويلٍ للجلوس أمام حرارة الفُرن المتوهجةِ، وإلى نَفَسٍ طويل للنَّفخ، وعلى الرَّغم من أنّها تستمد موادها الأولية من البيئة إلا أنها تُعدّ من أهمِّ الحِرفِ، وأكثرها تميزاً لأنها تعكس موروث ثقافي مهم ما زال مستمراً.

 

المراجع:

  • القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي،وخليل العظم:قاموس الصناعات الشامية،تح:ظافر القاسمي،دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988.
  • العاصي،عربي:حرف التراث من دمشق الأساس مدخل إلى دراسة تاريخ الحرفة، المطبعة التعاونية،1985.