رحى للمدن القديمة

قلعة حلب و عمارتها العسكرية والتحصينية

تحتل قلعة حلب المقام الأول بين قلاع العالم من حيث سعتها وعمارتها وتنوع مبانيها وعظمتها، والتي تعتبر بحق إعجازاً معمارياً هاماً، وحصناً عسكرياً يصعب أن يرام.

وقد عجز الغزاة عبر التاريخ من الدخول إليها عنوة لشدة تحصينها، وقد ذكر كل من كتب عنها من مؤرخين ورحالة.

دخلها الإمبراطور البيزنطي نقفور الثاني فوكاس عام (962) م، بموجب معاهدة مع حامية القلعة وذلك بعد أن حاصرها لعدة أيام ، وعند دخول جيشه إلى داخلها قتل خلق كثير وهدم معظم مبانيها، وكرر الفعل نفسه هولاكو في العام (1260) م. وقد قتل هولاكو بحلب أكثر ماقتل ببغداد، وتبعهم أيضاً تيمورلنك الأعرج في العام (1400) م.

يطغى على المشهد الخارجي عناصر العمارة العسكرية، فتبدو كحصن عظيم، تربعت فوق جبل كلسي يرتفع بحدود (50) متراً، وبميل شديد لجوانبه حيث بلغ الميول (45) درجة، وقام الظاهر غازي الأيوبي بتسفيح جوانبه من معظم جهاته بحجر كلسي كبير لإعاقة تسلق الغزاة، ويحيط بها خندق دفاعي عظيم كإحاطة أسوار بالمعصم، حيث شكل حاجزا دفاعيا مانعا لدخول الغزاة، ويبلغ عرضه( 33) متر، وعمق(22) متر، ولاشك بأن الخندق قديم.

وإنما زاد بعمقه الظاهر غازي وجلب إليه الماء، وقد قال عنه المؤرخ ابن شداد:

/وزاد في حفر الخندق وأجرى فيه الماء الكثير وأحرق في شفير الخندق ممايلي البلد مغائر أعدها لسكن الأسارى /

وذكره الرحالة ابن جبير بقوله:

/ ويحيط بالقلعة خندق عظيم عمقه اثنين وعشرين مترا ويقارب عرضه ستة وعشرين مترا، وهو من بناء الظاهر غازي الأيوبي، بناه لإغراقه بالمياه وذلك لأغراض الدفاع عن القلعة والمدينة/.

وبنى الظاهر غازي غرفا في واجهة الخندق من الجنوب الغربي لمدخل القلعة من أجل سجن أسرى الحرب.

واستمر الخندق بحماية القلعة خلال العهد المملوكي، إلا أنه فقد أهميته في العهد العثماني نظرا لوقوع حلب وسط أملاك الدولة العثمانية وفقدان قلعة حلب أهميتها كحصن عسكري، فتراكمت فيه النفايات والأتربة.

أبراج قلعة حلب الدفاعية :

-تضم قلعة حلب ثلاثة أبراج دفاعية مزودة بكل مايلزم لإقامة الحراس، وزودت واجهاتها بمرامي للسهام، وهي:

-البرج المتقدم:

يقع في الجهة الجنوبية للقلعة وفي المدخل الرئيسي، يرتفع ( 20) متر، ويتألف من عدد من الطوابق،زودت واجهاته بمرامي للسهام ، وبسقاطة مزودة بثلاث فتحات لصب الزيت المغلي والكلس المحرق، بنى هذا البرج الظاهر غازي ورممه قانصوه الغوري، ولهذا البرج بابين ، الاول من الحديد وخلفه باب خشبي مصفح بالحديد، وفي وسط البرج جسر خشبي يرفع أثناء تعرض القلعة للغزاة ليشكل فجوة تتساقط منه الغزاة إلى داخل الخندق.وقد استبدله قانصوه الغوري بجسر حجري، ويرتبط البرج المتقدم مع القلعة بجسر حجري يقوم على ثمانية قناطر مرتفعة ومفتوحة للسماح بدخول الماء عبرها الى الجانب الآخر من الخندق.

وهناك برجين دفاعيين آخرين في الجهة الجنوبية الشرقية و في شمالها وهي بمحاذاة سفح القلعة للبرج الجنوبي أما الشمالي فقد بني على السفح مباشرة، وقد بناهما الامير المملوكي جكم في العام ( 809) هجرية، ورممهما أيضا قانصوه الغوري، وقد زودت واجهاتها بمرامي للسهام، ويرتبطان مع القلعة بأنفاق سرية.وفيهما امكنة لإقامة الحراس.

كما تضم القلعة من الأعلى سور دفاعي محكم يبلغ طوله (900) متر وارتفاع 12 متراً، ويتخلله بدنات وأبراج مربعة زودت واجهاتها بمرامي للسهام، ويعود أجزاء من أساسات السور الدفاعي للعهد البيزنطي ، وتم ترميمه عبر مراحل زمنية مختلفة ، ويشاهد أجزاء منه من زمن سيف الدولة ، وترميمات اخرى زمن الظاهر غازي وأمراء المماليك وآخر ترميم للسور من الجهة الجنوبية الغربية زمن السلطان سليم العثماني ووثق هذا الترميم بنص كتابي..

 

المرجع

مكتبة شركة رحى للمدن القديمة