رحى للمدن القديمة

رموز لها دلالاتها في التراث الشعبي …العين الزرقاء وحدوة الحصان

تتعدد الرموز في المعتقدات الشعبية التي لها أبعاد وتفسيرات مختلفة، ولاشكَّ بأنَّ للعين تجلياتٌ ودَلالاتٌ متنوعةٌ ترتبطُ بشكلٍ وثيقٍ بالمأثور الشعبيّ، والعادات الاجتماعية. واعتبرَ الكثيرون بأن العين مصدرٌ محتملٌ للحسدِ، وفي تراثِنا الشعبيّ اللاماديّ الكثيرُ من الأمثال التي تَذكُر الحسد منها:

لونُ الحاسد شاحبٌ وكلامُه نميمةٌ، يأكلُ الحَسدُ الحاسدين كما يأكلُ الصدأُ الحديدَ، (حسدوا الفقيرة على الحصيرة)، (عين الحسود فيها عود)، (نظرة أسد ولا نظرة حسد)، (العين الردية لايملؤها إلا التراب) …… إلخ.

ولعلَّ رمزية العين أُخذت من الأسطورةِ الفَرعونيَّةِ الشهيرةِ (عين حورس) (وصراع حورس بنِ إيزيس مع عمِّه الشرير) (ست) الذي قتل والدَه أوزوريس، ووزَّع جسدَه في أنحاء البلادِ، كما سرقَ من حورس عينَه وهو صبيٌّ، لكنَّه استردها وثبَّتها في جبهته.

عين الإله حورس كرمز من الرموز
عين الإله حورس (متحف الميتروبوليتان)

رموز في الموروث الشعبي المرتبطة بالحسد والحماية

الخرزة الزرقاء

من الرموز المرتبطة بالحسد هي الخَرْزة الزرقاءَ، فيعتقدُ الناس أنّها تُساعد على حمايةِ الإنسان من الحسدِ، أو ما يُسمَّى بـ (صيبة العين).

وهناك بعضُ النِّساءِ يلبسنَ الخرزةَ الزرقاءَ في المِعْصَم، وذلك تَيَمُّناً بمقولةٍ معروفةٍ عند العرب، تقول:

(من تتختم بالفيروز أتاها الرزقُ)

ولاشكَّ بأنَّ اللونَ الأزرقَ له ذَبْذباتٌ عاليةٌ تمتصُّ الطاقةَ السلبيَّةَ، كما أنَّ هذا اللون يتميز بسرعته بالتقاط الذَبْذَبَاتِ السالبةِ التي تعتمد على اللون الأزرق.

وعلى الرغم من أنَّ اللون الأزرق يرمز إلى لون السماء، والصفاء، إلا أنَّهم يؤمنون بأن اللون الأزرق يقي من شرِّ عينِ الحاسد.

وفي تركيا لا يعتبرون بأنَّ الخَرْزةَ الزرقاءَ أسطورةٌ، بل حقيقةٌ مجرَّبةٌ، وتقوم الجدَّاتُ بإهداء العين الزرقاء للمواليد لردِّ الحسد والطاقة الشريرة وجَلبِ الحظِّ، وقد أدرجتها اليونسكو على لائحة التُّراث العالميِّ في العام /2014م/.

وتشير بعضُ المصادر التاريخية إلى أن تميمةَ العين تعود إلى عامِ /3300 ق.م/، وقد اكتُشفتْ بدايةً في تلِّ براك في سوريةَ ضمن تماثيلَ ذاتِ أعيُنٍ كِبارٍ مصنوعةٍ من حَجرِ الألباستر، أمّا خرزة (العينِ الزرقاءِ) فلم تظهرْ في منطقةِ حَوضِ البحرِ المتوسطِ إلا نَحو عامِ /1500 ق.م/ وتضمنتها قلائدُ عين حورس.

ويَرجع اللونُ الأزرق نسبة لعين حورس التي اتَّسمت بالزُّرْقة، وانتشرت هذه الرمزية على القلائد وأصبحت تُوضع للنساء وغيرها كنوع من دَرْءِ الحسد وطرد العين الحاسدة، كما رافق ذلك عاداتٌ شعبيةٌ توارثتها الأجيالُ ولا تزال، لعلَّ منها الضربَ على الخشبِ، كَـتَميمةٍ اجتماعيةٍ حِينما يأتي الإنسانُ فِعْلاً لا يتناسبُ وقدراته البدنيَّة، وهناك التخْميس في وجهِ الحاسدِ، فيُقَال له (خمسة وخميسة) مع التلويحِ بأصابعِ اليد الخمسة.

العين الزرقاء من رموز درء الحسد
العين الزرقاء في أسواق تركيا
معبد العيون في تل براك
دمى الألباستر من معبد العيون في تل براك

رمزيَّة حَدْوة الحصان

كثيراً ما تُستعملُ هذه الرمزيّةُ كرمزٍ وقائيٍّ، وترجع قصةُ حَدْوةِ الحصان إلى بلاد الأندلس القديمة عندما كان يعمرها العربُ، وجعلوها جنَّةِ الأرض فلما أرادَ الإسبان البطشَ بالمسلمين في الأندلس طلبوا من جواسيسهم داخلها أنْ يصنعوا حدوة الحصانِ على أبواب منازلِهم حتى لا يُهاجمهم الجيشُ الإسبانيُّ، فلمَّا دخل الجيش الإسباني بطشَ بالمسلمين ورأى الناسُ أن البيوتَ التي عُلِّقت عليها هذه الحَدْوَاتُ قد مُنِعت من الأذى، فاعتقدوا أن حَدوَةَ الحصانِ تَرُدُ الأذى عن الدارِ.

واستُخدمت هذه الرمزيَّةُ على أبواب قلعةِ حلب، وبعضِ أبوابِ البيوتِ في حلب القديمة.

أبواب قلعة حلب
باب التنانين في قلعة حلب

وقد وردَ الحسدُ في التُّراث الشعريِّ العربيِّ، ورصدَ بعضُ الشعراءِ هذا الأمرَ في قصائِدهم، ومنهم الشاعرُ أبو تمامٍ، حيثُ يقولُ:

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ        طُويت أتاح لها لِسانَ حسودِ

ويقولُ أبو الأسودِ الدؤليِّ:

حسدُوا الفتى إذ لم يَنالُوا سَعْيَهُ      فالقومُ أعداءٌ له وخُصومُ

يُعتَقد بأنَّ الموروثَ الشعبيَّ غَذَّى تلكَ المعتقدات في التعاملِ مع الحسد، وهناك كما أسلفنا الكثيرُ من الأمثال الشعبيَّةُ التي رصدتْ تِلك الموروثات، منها:

(عيونُ الكبارِ خرابُ ديار، العين اللي بتصيب قلعها حلال)

ولعلّ ربط الأقفالِ على أضرحةٓ ومقامات منتشرةٌ في مدينةِ حلبَ، فكانوا يضعون الأقفال على باب ضريح النَّبيِّ زكريا في الجامعِ الأُمَويِّ، وعلى شُبَّاكِ نافذةِ مقام الخضر عليه السلام داخل باب النَّصر، وذلك لإبعاد الحسد وجلبِ الحظّ.

إذاً هذه المعتقداتُ (فتحُ المِقَصِّ ليلاً والتفاؤلُ بِحَدوة الحصانِ وِحِذاءُ الطِّفل الصغيرِ وخمسة وخميسة …..) ماهي إلا ميراثٌ تاريخيٌّ توارثته الأجيالُ منذ القِدَمِ، وكثيراً ما يلجأُ بعضُ الناس للسحر والدَّجَلِ والشعوذةِ وتحضيرِ الأرواح، وقراءةِ الفنجان، والكَفِّ، وغيرِ ذلك، وفي الحقيقة رُبّما تلعب المُصادفة دوراً في تصديق ذلك.

كما يلجأ أهلُ العَرُوسِ بإلصاق عجينةٍ على باب بيتِ زوجِها قبلَ الدخولِ، فإذا التصقت العجينةُ فإنّ حياتها ستستمر مع زوجِها، وإذا سقطت فيكون فألاً غيرَ جيّد.

وهناك العديدُ من الأساطير والخرافاتِ التي لايزالُ معظَمُها منتشراً في مجتمعاتِنا للأسفِ، ولاتزالُ تتحكم بتصرفاتِ هذه المجتمعات ومعظمُهم يصدقون هذه الخرافات والرموز المرتبطة بها.

رمزية العين من الرموز في إيبلا
لوح حجري عليه العين الحاسدة مكتشف في إيبلا
فسيفساء متحف أنطاكية
العين الحاسدة في أرضية فسيسفاء في متحف أنطاكية

 

إعداد: أ. أحمد الغريب

المرجع: مكتبة رحى للمدن القديمة