رحى للمدن القديمة

نقشه الأجداد وتوارثه الأحفاد الوشم (الدق)

تلتقي الرمزية مع التعبيرية لتخلق لنا جسداً أنثوي موشوم يحمل العديد من المعاني الثقافية.

يُعرّف الوشم أو ( الدق)  على أنّه الفن الذي يتمثل في وضع علامة ثابتة على الجسم، وذلك بغرز الجلد بالإبرة ووضع أصباغ تدخل إلى تلك الفتحات والجروح الناتجة عن الغرز فتمنحها لون دائم يشكل العلامة أو الرسم المراد وشمه، وهو جزء من التراث اللامادي للمنطقة الشرقية والبادية السورية، تتقاسمه القبائل العربية والبدوية وبعض القبائل الكردية.

للوشم جذور تاريخية تمتد إلى عصور ماقبل التاريخ، وأول رسم لوشم معروفة على جسم الإنسان تعود لِحوالي 6000 ق.م وجدت في رسوم الكهوف في أوروبا.

في العصور اللاحقة كان الرومان والإغريق يستخدمونه في دمغ العبيد، أمّا عند السومريين فهو  يعتبر من أقدم العادات.

 

رمزية الوشم، الدق ودلالاته:

يرمز الوشم إلى المعالم الشخصية وتاريخ المجتمع ويمكن أن يقول الكثير عن حياة المرأة، فهو يشير إلى انتقال الفتاة إلى الأنوثة، كما أنّه جزء من بحثها عن الجمال.

عبر التاريخ، تمّ استخدام الوشم لتجميل الجسد، ونقش الرموز على الجلد، وتحديد الهوية العرقية والتعبير عن الروحانية، وعلى الرغم من المحرمات الدينية التي تحظى باحترام واسع ضد الوشم بين المسلمين، إلا أن هذه الممارسة قديمة منذ آلاف السنين ولا تزال رائجة في بعض المجتمعات.

كانت مهنة الوشم، تنحصر بنساء من قبائل الغجر التي تعرف شعبياً باسم “النور”، أو “القرباط”، وعادةً ما تطوف “الوشامات” بين القرى وتجمعات البدو في فترة الربيع، ولم يكن الأجر مادياً على تقديم خدماتهن للنساء، بل كن يتقاضين مواد عينية كالسمن العربي وبقية مشتقات الحليب، أو جلود المواشي، وغالباً ما يتم إكرامهن بأجرٍ عالٍ إذا كانت النتيجة مرضية كانت الوشّامات اللواتي يعرفن شعبياً باسم الدكاكات (من الدق باستبدال حرف القاف بالكاف في اللفظ)، يأتين إلى القرى على شكل مجموعات، وغالباً ما يكنّ من عائلة واحدة (أم وبناتها)

خلال طوافهن في القرية يقمن بممارسة مهنة الحف للنساء، (وهي مهنة معنية بإزالة الشعر من الوجه باستخدام الخيط ومادة مرطبة مصنوعة من عدة أعشاب طبيعية)، كما يقمن بوشم الفتيات الصغيرات اللواتي تجاوزن سن الست سنوات  في نفس العمر ونفس الوقت، ويمكن للفتاة في مثل هذه الحالة أن تنقش رسوماً إضافية لتزيد من جمالها في القرى الواقعة ضمن حوض الفرات والجزيرة السورية.

اختفت هذه العادة بشكل مفاجئ في السبعينات دون أن يكون ثمّة مقدمات لذلك، إلا أن غياب الوشامات، لم ينهِ العمل بعادة الوشم، إذ استمرت النساء بالرسم على أجسادهن بتعلم ذاتي.

 

المواد المستخدمة في دق الوشم :

تختلف مواضيع دق الوشم والأساليب المتبعة في تثبيت الرسومات على جسد الموشوم من بلد لآخر، ومن ثقافة لأخرى لكن من الناحية الممارساتيه يتم وفق تقنيتين رئيسيتين الاولى: تتم بأدوات ثقب الجلد ومنها أبر الخياطة السكاكين الحادة والدقيقة  وكانت الوشّامة لا تستخدم أي مادة لتخدير الموشومة، والثانية: تعتمد على ملونات حيوانية ومساحيق مختلفة من كحل وفحم وعصارة نباتية ومواد صبغية طبيعية ،لرسم الأشكال المتعددة في مناطق الجسد، وحساسية بعض المناطق كتحت الأجفان أو بين الحاجبين والدقن تتطلب دقّة عالية في استخدام الأبرة التي تغرز في الجلد بسرعة ولمرات متتالية حتى يظهر الدم .

 

طريقة دق الوشم:

تبدأ الوشّامة برسم الشكل الذي ستقوم بوشمه بقلم الكحل أو قلم عادي، ثم تبدأ بوضع المادة التي ستستخدمها لرسم الوشم على ذات الخطوط، لتبدأ بعد ذلك بغرز الإبرة بسرعة في الأماكن المصبوغة، وهذا ما يدفع بالصباغ إلى داخل الجلد، وبعد عدة أيام يشفى الجرح الناتج عن الإبرة ليبقى مكانه الوشم ظاهراً.

لم يكن ثمة طريقة لتعقيم الأبر من قبل الوشّامات، سوى كي طرفها الواخز بالنار، وكُنّ يستخدمن أصباغاً مصنوعة من مزج الكحل والحليب، لتعطي اللون الأخضر للوشم، ومسحوق الفحم مع الزبدة، لتلوين الوشم بالأسود، وغالباً ما يكون لدى الوشّامة، أبراً من سبع قياسات مختلفة تستخدم كل منها لوشم منطقة من الجسد، فما يتم وشم الوجه به يكون صغيراً ودقيقاً، بعكس ما يستخدم لوشم اليد أو الساق أو البطن.

 

رمزية ودلالة الوشم ( الدق):

يُعد الوشم بين الرجال والنساء جزءاً لا يتجزأ من الثقافة البدوية، لاسيما بين أولئك الذين يعيشون في البادية السورية.

يختار العديد من العرب القبليين الكتابة على وجوههم وكاحليهم ومعصميهم وأجزاء أجسادهم الأخرى، من أجل درء قوى الشر، وإعطاء الشخص الذي يرتدي الوشم القوة والحماية.

وتختلف التقاليد بين القبائل ففي بعض القبائل يتم اختيار وشم الفتاة البدوية من قبل والدتها  على أساس سمة يود الوالد رؤيتها في طفلهما على سبيل المثال، النقطة على الأنف تعني الأمل في حياة طويلة للطفل.

ثمة العديد من القبائل البدوية تعتقد أنّ الدق يشكل أحد أهم العلامات التي ستشفيهم من الأمراض، ويقال أن الرموز مثل النقاط على جانب الرأس أو فوق أعينهم تشفي أوجاع وآلام الشخص يضاف لخواصه أنّ الوشم المُوحد علامة فارقة لنساء القبيلة عن غيرهن خشية من ضياع الفتاة أو اختطافها من قبل قطاع الطرق خاصة أن عادة الغزو كانت سائدة بين قبائل البدو .

يحمل كل وشم اسم بحسب المنطقة الموشوم بها يسمى الوشم الذي يقع تحت الشفة السفلى منتصف الفم بالرثمة، فيما يسمى الوشم تحت الشفة السفلى من الجهة اليمنى الدبيب، في حين أن الوشم الذي يمتد من أسفل منتصف الفم وحتى أول الدقن فيسمى السيالة.الوشم تحت الجفن  يطلق عليه كحل القطا، وعلى الخد يتم وشم “هلال ونقطة”، في حين أن الوشم ما بين الحاجبين يسمى“هلال”،والدوائر على الخد تعرف باسم “الردعة”، أما تطريز اليد بوشم عريض مؤلف من مجموعة نقوش، أو خطوط نقوش طولانية متوزاية، فيسمى بـ “وسادة ابن العم”، وهو اسم يطلق أيضاً على الوشم المطرز للبطن، ومرجع هذا الاسم أن النساء يهيئن وسادة من أجسادهن لزوج المستقبل، وفي حين أن النساء كنا ينقشن أساور على المعصم، والنقوش حول الساق كانت تسمى “الحجول”، ويمكن النقش على مناطق أخرى أن تضيف جمالية لجسد المرأة كالعنق والصدر، ونادراً على النهدين.

 

 

 

 

الوشم ( الدق) عند القبائل الكردية:

يحظى وشم الوجه أو deq بشعبية  كبيرة بين الشعب الكردي في العراق وتركيا وسورية وإيران.

يركز الوشم المنقط بشكل أساسي على الذقن ويشبه اللحية، وكان يُنظر إليه على أنه علامة على الجمال وهو شائع بشكل خاص بين النساء الناضجات، البالغات من العمر 60 عامًا فما فوق بالنسبة للنساء دون سن 60، كانت تصميمات الوشم بسيطة، حيث شكلت نقطة بسيطة على الخد أو على الذقن.

استخدمت القبائل الكردية المنتشرة في شمال سورية والعراق، حبراً خاصاً للوشم يدخل في تركيبه حليب الأم على خلاف القبائل العربية التي تستخدم حليب المواشي، كما كانت تستخدم مفرزات مرارة الحيوان، وغالباً ما كانت نساء القبيلة الواحدة تستخدم نقشاً موحداً لوشومهن، وهي رسومات ذات أبعاد ميثيولوجية ترتبط بالحضارات القديمة التي كانت في المنطقة.

من أشهر الرموز الموشومة : “الرموز الصليب الآري” السومري، وهو صليب معقوف تتوسطه الشمس و يدور باتجاه عقارب الساعة.

الصليب “المتساوي الأضلاع”  الذي يدل في تاريخ الحضارات القديمة على الاتجاهات الأربعة لكوكب الأرض، وعلى عناصر الكون الأربعة (التراب و الهواء و النار و الماء).

“نقوش الشمس” و “أفعى شيخ مند” بالإضافة إلى العديد من الرموز المصورة والمستوحاة من الطبيعة، مع تصميمات شائعة بما في ذلك النباتات والنجوم والحيوانات.

كان الرمز على شكل حرف” V “ على الذقن تقليديًا علامة على الهوية القبلية.

أهم مايميز الوشم عند القبائل الكردية أن الرسوم تختلف باختلاف  المعنى الكامن وراءها من القوة إلى الإنتاجية والخصوبة.قامت بعض النساء، عند تحولهن من الإيزيدية إلى الإسلام، بوشم رمز القمر على وجوههن.

 

 

 

من هنا نجد أن رموز الوشم المستخدمة كانت ضرورة لما تحمله من دلالات معنوية وسحرية بناء على سياق الوشم وسوسيولوجيا الجسد الذي يحملها  كنسق اتصال بينه وبين الأعضاء المنقوش عليها والذي يخضع بدوره لأعراف القبيلة.

 

المراجع:

  1. طايلب، نسيمة: تشظي المعنى في رموز الوشم من سوسيولجيا الجسد إلى سيميولوجيا الوشم. مجلة الرواق للدراسات الاجتماعية والإنسانية، مج7، ع2، الجزائر 2021م.
  2. تعبير شفهي محكي من قبل  مجموعة من النساء في منطقة الحسكة.