رحى للمدن القديمة

الملقف في العمارة

أوْلَى البناة والمعماريون الى الملقف أهمية كبيرة، ويعتبر  أحد عناصر البناء الضرورية والذي يعمل على تبريد وتكييف المبنى وتلطيف الأبنية وبخاصة في المناطق الحارة.

كما يعمل الملقف أو كما يسمى البادنج على إدخال الهواء النقي إلى الأماكن المغلقة وسحب الهواء الفاسد منها .

واستخدمت الملاقف بشكل واسع في الأسواق المغلقة، والتي تحتاج إلى إدخال الهواء النقي الخالي من الغبار والدخان والروائح الكريهة، كما أن الهواء يجب أن يكون دافئاً شتاءً بارداً صيفاً .

وقد تم الإستفادة من الملاقف لتقوم بدور التكييف والتهوية معاً، وقد عرفت الحضارة العربية عناصر كثيرة للتهوية والتبريد، وقامت بدمجها في البنية السكنية بهدف توفير الراحة الحرارية للسكان .

كانت الملاقف الهوائية من العناصر المميزة في المباني،  وبخاصة في الأماكن الحارة، وهي عبارة عن مداخل تقوم بتهوية المبنى في حال وجود مخارج للهواء .

 

تسمية الملقف:

تعددت تسميات الملقف هذا العنصر المعماري الهام ، فقد كان يدعى (البادنج – والبادهنج – والباذهنج ) والبادهنج هو إنبوب شبيه بإنبوب الموقد أو المدفأة يُتخذ للتهوية .

وقد ذكره العلامة خير الدين الأسدي في موسوعته (بادنج، أو باتنج، ملقف الهواء، وسماه العرب رواق النسيم)، وهو ممر للهواء موجه خارج البيت إلى الغرب، يحدث جرياناً للهواء إلى داخل الغرفة لتلطيف حرارة الصيف .

الملقف

وكلمة ( البادهنج) فارسية تتألف من المقطعين “باد” وتعني الهواء و “هنج” وتعني فوهة , وترد أحياناً بالألفاظ الآتية (باذهنج، بادنج، باداهنج)، وجمعها “بادهنجات” وقد عُرّبت إلى الملقف وجمعه الملاقف .

يذكر شهاب الدين الخفاجي (ت815ه-1659م) في (شفاء الغليل ) أنه معرب بادخون أو بادكير، وهو المنفذ الذي يجيء منه الريح، والبادكير كلمة فارسية مؤلفة من من مقطعين “باد” وتعني الهواء , و “كير” وتعني الأخذ والجلب .

وفي شعر أبا الحسن عبد الكريم الأنصاري، كما ذكره الغزولي (ت 815ه-1412م) بقوله :

ونفحة بادهنج أسكرتنا   وجدت بروحها برد النعيم

أتتنا من أنيق الشكل سمح      تراه مثل راووق النديم

صفا وجرى الهوا فيه رقيقا     فسميناه راووق النسيم

أما باللغة الإنجليزية فقد أطلق عليها اسم برج الرياح، أو لاقط الرياح، ويجب التمييز بين الملقف والبادهنج، أن الأول له فتحة موجهة لداخل المبنى، في حين أن الثاني له شكل برجي وأكثر من فتحة موجهة نحو المبنى لاقتناص الهواء من أية جهة .الملقف

والملقف عبارة عن مهوى يقع في أعلى البناء، وله فتحة مقابلة لاتجاه هبوب الرياح، حيث أنه يستخدم لاقتناص الهواء المار فوق المبنى، ثم دفعه إلى داخل المبنى، وبذلك يغني الملقف عن الحاجة إلى النوافذ المعتادة لتوفير التهوية وحركة الهواء الضروريتين داخل المبنى، كما يفيد الملقف أيضا بالتقليل من الغبار والرمال اللتين تحملها الرياح أحيانا، ويخفض الملقف الحرارة من 50 درجة إلى أقل من 30 درجة داخله، وهذا يعني أنه يوفر راحة حرارية للساكنين أو المقيمين في المبنى لاتحققها النوافذ .

كان الملقف يفصل عن بقية أنحاء المنزل في فصل الشتاء، وإلا فإنه سيتحول إلى مدخنة، حيث يسمح للهواء الدافئ بالتسرب من داخل المنزل إلى خارجه عبر البرج .

كيف يتحول الملقف إلى مكيف :

هناك طريقتان لتحويل الملقف إلى مكيف , الأولى بوضع الماء , والثانية بوضع الثلج.

ففي الطريقة الأولى يتم تبريد الهواء من خلال مروره على مسطح مائي في الطابق السفلي (نافورة أو بركة مياه ) ويتم الحصول على تبريد قعال من خلال زيادة حجم الملقف وتعليق حصائر مبللة بالماء في داخله .

وبالطبع للحصول على تبريد فعال للمنزل , يجب أن توضع فتحات الملقف باتجاه الرياح السائدة في كل مدينة لتقوم بالتقاط الهواء ثم تمرر على خواب مائية ثم توجه للحجرات .

الملقف

أما في الطريقة الثانية فقد كانت كتل الثلج أو ألواح من الجليد توضع عند فتحات استقبال الهواء في الملقف , وفي الصيف كان يوضع الثلج بداخل الملقف ,وكان يجلب من جبال لبنان وجبل الشيخ للمناطق الجنوبية , أما المناطق الشمالية , فكان الثلج يحضر من تركية أو من الجبال الساحلية , وعندما يمر الهواء على ألواح الثلج كان يخرج منه نسيم بارد , أما في الشتاء فكانت توضع في أماكن منه كوانين فيها فحم , وبهذا يصبح الملقف له دور يالتدفئة شتاءا .

وكان الملقف في قلعة حلب , والذي يقع في ممرات الباشورة للمدخل ويتجه  إلى الغرب فكان يوضع فيه أواح من الثلج تحضر من تركية، كما العديد من البيوت العربية في حلب القديمة .

 

أشكال وأنواع الملاقف :

هناك العديد من الأشكال الشائعة لشكل الملاقف , فمنها على شكل المكعب أو متوازي المستطيلات أو الإسطواني , وهناك الشكل المثلثي أو المخروطي .

وقد لجأ الناس منذ القدم لبناء قبو , ويكون مستواه ماتحت الأرض , وهو المكان المثالي للتوازن الحراري طيلة أوقات السنة , ويقوم القبو بدور المكيف المركزي للبيت كله , من خلال اقتناص الهواء من الملقف وإشباعه بالرطوبة , ثم دفعه مرة أخرى عبر أرضية السماوي ليرطبه ويرطب الإيوان والغرف الأخرى المحيطة بالقبو .

ويصنع الملقف عادة إما من الآجر أو الطين أو سعف النخل أو صفائح التوتياء .

ويذكر مؤرخ حلب الشيخ كامل الغزي بما ورد عن الطبيب ابن أبي أصيبعة في كتابه /طبقات الأطباء / بأنه كان يعتقد أن العوارض الجوية في أصقاع حلب كانت باردة ثم تحولت إلى حرارة , مستدلا على صحة دعواه هذه بما حكاه له أشياخ أهل حلب من أن شجرة الأترج ماكانت تنبت بحلب لشدة بردها , وأن الدور القديمة في حلب لم تكن تستطاع السكنى في طبقتها السفلى , وأن الباذهنجات (ملاقف الهواء )حدثت في حلب منذ زمن قريب , حتى إنه لادار وإلا وفيها باذهنج بعد عدم ودودها مطلقا .

فقال المؤرخ كامل الغزي :/وأما عدم وجود الباذهنجات فيها أولا ثم وجودها أخيرا , فإن المفهوم من هذا أن البرد بينما كان في مدينة حلب شديدا , إذ تحول بغتة إلى الحر , ومست الحاجة إلى عمل الاذهنجات , وهذا مما لايتصوره عاقل , إذ إن سير التحول الجوي بطيء جدا لايدرك حصوله بأقل من ألف سنة أو أكثر , فالأولى أن يحمل تسرع أهل حلب إلى عمل الباذهنجات على التفنن وتحسين المباني والاقتداء ببغداد عاصمة الممالك الإسلامية في الشرق بعمل الباذهنجات تلطيفا للجو , وتخفيفا للرطوبات /.

ويبدو أن الملقف المؤقت كان معروفا لدى سكان بلاد بركي أو برجي (مدينة في تركيا ), وقد أهدى السلطان أورخان سلطانها محمد بن آيدين خيمة تركية اسمها (خاركاه ) وقد وصفها ابن بطوطة بقوله :

/وهي عصا من الخشب تجمع شبه قبة , وتجعل عليها اللبود , ويفتح أعلاه لدخول الضوء والريح مثل البادهنج , ويسد متى احتيج سده /.

وقد أفرد شهاب الدين بن المجدي (850 ه-1560م/ رسالة صغيرة بعنوان /تحفة الأحباب في نصب البادهنج والمحراب / أراد من خلالها مساعدة البنائين في تحديد جهة الرياح أو سمت القبلة .

وختاماً فإن الملقف أحد عناصر المنظومة العمرانية والذي يؤمن التكييف الطبيعي للمباني ، وهي حالة ابتكرها المعمار السوري لتأمين تلطيف الغرف والممرات بالهواء الطبيعي.

 

 

المرجع:

مكتبة شركة رحى للمدن القديمة