رحى للمدن القديمة

العمارة الإسلامية في بلاد ما وراء النهر.. سحر وجمال

تطوّرتِ العمارة الإسلامية في الأقاليمِ الشرقيّة للدولةِ الإسلاميّةِ (إيران-التركستان، أفغانستان)، خلال الفترةِ الممتدةِ بين القرنين 7-11هـ/12-17م، ويميّز العلماءُ عهدين مختلفين من ناحية الفنِّ والعمارة، الأوّل هو عهد نفوذ المَغُول الذي يشمل فترة الإيلخانيين المسلمين (خلفاء هولاكو)، ودولة تيمورلنك من بعدهم، والعهدُ الثاني هو عهدُ الدولةِ الصفويَّةِ.

في عهد الدولة الإيلخانية وإمبراطورية تيمورلنك تأثّرت العمارة بالخصائص التي سادت في عهد السلاجقةِ من حيث التَّصميمُ ومواضيع الزخرفة والعناصر المعمارية، وبدأت مرحلة التطوير في أواخر عهد الإيلخانيين، وفي عهدِ الدولة التيموريّة بلغت الذّروة.

العمارة الإسلامية

خصائصُ العمارة الإسلامية في بلادِ ما وراءَ النَّهَرِ

من الناحيةِ المعماريّةِ

كان (الآجر) مادةً أساسيةً في البناء، وظهر نوعٌ جديدٌ من العمائر وهي المجمّعاتُ متعددةُ الوظائفِ معقدةُ التَّصميم كما في مشهدِ ضريح علي رضا، ومدرسةُ (شيردار) في التركستان، بالإضافة إلى محاولات لتطوير الشكل العام للمباني وانتشار التَّصميم المتصالبِ في القاعات المربّعةِ بسبب تزويدها بأواوين تبرز عن المربع المركزي.

وزاد ارتفاع القِبابِ من خِلالِ جعل رَقَبة القُبّةِ تتألف من طبقتين من المضلعات أو بجعلها اسطوانية، على غِرار القِبابِ في العهد الأيوبي والمملوكي، وبالنسبة لطاسة القُبَّة أحياناً جُعلت (مزدوجة) من طبقتين داخلية وخارجية، تأخذُ شكل مخروط أو هرم متعدد الوجه أو مدببة تميل إلى الشكل البصلي، وشاع خلال عهد الدولة التيمورية قباب طاساتها محززة تشبه تلك التي ظهرت عند الايوبيون في مصر والشام، ولكن تتميز بأن ضلوعها تشبه أنصاف الأعمدة وتبرز بشكل كامل عن جسم القُبَّة، واستخدمت الأَقْباءُ بالتّسقيف كعنصر أساسي إلى جانب القِبابِ، وظهر نوعٌ جديدٌ في التَّسقيف يعتمد على عقود متقاطعة كبيرة تعترضها عقود أصغرُ، مما يزيد في تماسكِ القَبوة ومقاومتِها.

 

العمارة الإسلامية

وكان العِقدِ الشائعُ استخدامه هو المدبَّب من النوع العباسيّ الذي يُرسم من أربعة مراكز.

تتميّزُ العمارةُ في هذه المرحلة بكَثْرة استخدام الأواوين، فنلاحظ أنّها أصبحت أكثرَ ارتفاعاً وأقل عَرضاً، وجُعل لها فَتَحاتٍ عديدةً في جدرانها، وذلك بهدف التَّخفيف من ثِقَل الكِتلة الانشائية، وغالباً ما كان الإيوان يُزود بعمودين لهما شكل حلزوني.

بالنسبة للبواباتِ كانت موضِعَ اهتمام كبير، وتُفتح ضمن إيوان كبير مرتفع، وغالباً تُزود في طرفيها بمئذنتين سواء أكانت بوابةَ مسجد أو مدرسة، وحتى القصور أحياناً.

من الناحية الزُّخرفيّة

اعتمدت العناصر الزخرفية على عنصرين رئيسين هما الخزف والنقوش الجِصّية، وأروعُ الأمثلة على هذا الفن نجدها في جامع أصفهان وفي ضريح السلطان ألجايتو، والخزف كان غالباً يسيطر عليه اللون الأزرق والفيروزي، وكُسيت فيها الواجهاتُ وسطوح القِباب، وأصبحت المقرنصاتُ أكثرَ تعقيداً، وبالنّسبةِ للمواضيع التقليدية المعروفة كالأشكال الهندسيّةِ والنّباتيةِ والكِتابات بخطوطها المتنوعة، وكانت معظمُ الكتاباتِ تنفذ بلون مختلف عن لون الأرضية التي تتكون من عروق نباتية والأزهار البيضاء التي شاع استخدامها في العمائر التيمُّوريَّةِ.

العمـارة الإسـلامية

بناءُ التُّرب والأضرحةِ

اِهتمَّ الإيلخانين اهتماماً كبيراً بتشييد التُّرب الخاصة، مثلَ تُربة السلطان (أولجايتو) التي تتميز بضخامتها بالنّسبة لما سبقها من عمائر مشابها، يُقدَّر ارتفاع قُبَّته نحو 5٠ م.

وفي عهد الدولة التيمُّوريَّةِ، ازدهرت العمارة وشاع بناءُ المدارس والمساجد والمجمّعات الثقافيَّةِ، وهناك مساجد جرى تجديدها كـ مسجد (كالبان) في مدينة بخارى.

اِزدهار العمارةِ الإسلاميّةِ في تَبريز

بعد تَفتُّتِ دولةِ (تيمورلنك) إلى دُويلات، تمكّن الشاه إسماعيلُ من القضاء على حُكمِ التركمان من أسرة الشياه البيض، وتأسّستِ الدولة الصفويّة عام 898هـ/1492م على يد إسماعيل، واتخذتْ من تبريزَ عاصمةً لها ثُم انتقلت في أيام الشاه عباس الأوّل الذي أنشأ مدينةً ملكيةً خارج أسوار أصفهان القديمة.

العمـارة الإسـلامية

أسبابُ تطوّر العمارة الإسلامية في عهد الصفويين

تطورتِ العمارة في عهد الصفويين، وكان لتوفُّرِ اليد العاملة الخبيرة دورٌ كبيرٌ في ازدهر فن العمارة التي قدمت أضخم نتاجها، ونلاحظ كماً كبيراً من الجُهد الفني بسبيل الارتقاء بصناعة الخَزفِ كعنصر أساسي لزخرفة الأبنية.

من أهمِّ النماذج المِعماريَّةِ التي تُعبّرُ عن جمال وروعة العمارة في هذا العصر، مسجدُ الشاهِ في أصفهان، بناه الشاهُ عبّاسُ الكبيرُ بين عامي 1020-1048هـ/1611-1638م، وهو مستوفي لخصائص العمارة في هذه المرحلة ويتميّزُ بزخارفه التي يَغلِب عليها اللّون الأزرق، وهناك أمثلةٌ أخرى كـ(قصر جيهيل سيتون) أي ذو الأربعين عَمُوداً، وغيرهم الكثير.

العمـارة الإسـلامية

وللعمارةِ الإسلاميَّةِ في بلاد ما وراء النَّهَر سماتها الساحرة التي تُدْهش الناظرين إليها لجمال عمارتها ودقة وروعة زخارفها.

المراجع:

  • الحضارةُ العربيّةُ الإسلاميّةُ (اثار وفنون)، شكران خربطلي واخرون.
  • العمارة الإسلامية في بلاد ما وراءَ النهر، خالد السلطاني.
  • دراساتٌ في الآثارِ الإسلاميّةِ، نجدة خماش.
  • الآثارُ والفنونُ الإسلاميّةُ، عبد الله عطية عبد الحافظ.