رحى للمدن القديمة

العسل ومكانته في الحضارات القديمة

يعيش على سطح الكرة الأرضية كائنات لا تُعد ولا تُحصى ولا يعلمها إلا الله منها ما له فائد كالنحل وإنتاجه للعسل ومنها ما هو ضار لكن لكل شيء حكمة وقصد من خلقه من قِبل الله عز وجل أي أن الله لم يخلق أي شيء عبثاً ومن القدرة الإلهية أن من هذه الكائنات ما يعيش فرادى أو ضمن جماعات منظمة كل واحد منها يعرف المهام الموكلة إليه .

الصفات العلاجية للعسل:

يوجد في هذه المادة العظيمة مواد مُغذية وقوية ومهدئة للجهاز العصبي ومنشطة للجسم فتزيد من مقاومته للأمراض لما يدخل في تركيباته من مواد تزيد عن السبعين مادة تم اكتشافها حتى الآن والتي لها الأثر الفعّال في الوظائف الحيوية التي تقوم بها الخلايا، كما أنه يمد الجسم بالطاقة الحرارية اللازمة لحياة الإنسان كما أنه لايُتعب المعدة، كما أنه كان يوصف عندما يكون حليب الأم فقيراً بالأملاح كان يتم إعطاء الرضيع وهو في الشهر الرابع ملعقة عسل يومياً لوقايته من فقر الدم.

العسل
شكل يمثل عملية قطف العسل

كما تدخل ضمن تركيبته أنه يمنع نخر الأسنان بالإضافة أنه يساعد على تثبيت الكلس بالعظام والأسنان كما أنه يساعد على النمو وتغذية خلايا الدماغ، وتقوية الشعر، ويلعب دور مهماً في معالجة أمراض العين، بالإضافة الى معالجة الإضطرابات العصبية وإخدرار الأرجل وفقدان الشهية والإمساك والأرق والوهن العام في الجسم وبتكوين الكريات الحمر وإلتئام الجروح ووقف النزيف.
إضافة أن خلط غبار الطلع مع العسل له فوائد عظيمة كثيرة وكل ما تم ذكره من الفوائد التي يتمتع بها العسل مجرد جزء بسيط لم يسعنا ذكرها جميعها وذلك لما يحتويه من الفيتامينات والأملاح التي تنعكس بشكل إيجابي على جسم الإنسان، كما أن للعسل فوائد ليس على حياة الإنسان فحسب بل له فوائده على حياة الحيوانات.

العسل في الحضارات القديمة عبر التاريخ:

1- في بلاد الرافدين
اعتقد سكان بلاد الرافدين بتقديسها إضافة الى الزيت إذ يعتبرون تلك المادتين من الهبات التي وهبتها لهم الآلهة.

2- عند المصريين القدماء:
كان المصريون القدامى من أوائل من وصفه في العلاج، وأول كتاب طبي معروف هو “أوراق بردى سميث” الذي ظهر حوالي 2000 سنة ق.م، وفيما بعد ظهرت العديد من الكتب الطبية والكثير من هذه الكتب كان يعتقد بالخرافات والشعوذة والسحر، كما اكتشف العلماء أن العسل قد دخل في أكثر من خمسمائة وصفة طبية بالإضافة الى إدخالهم لهذه المادة في عملية التحنيط.


3- عند الإغريق والرومان
عرف عند الإغريق والرومان وقد كتب عنه أرسطو طاليس في القرن الرابع ق.م، كما ذكره هوميروس في الإلياذة والأوديسة، كما أن أتباع فيثاغورث  كانوا يأكلون العسل يومياً حيث يُرجعون أن سبب تعميرهم في السن يعود لهذه المادة، وقد كتب (بليي) “إذا أراد الإنسان أن يعمّر في هذه الدنيا ويحيا حياة صحية فعليه أن يأكل العسل كل يوم”
4- عند الصينيين القدماء
استعمله الصينيون كعلاج طبيعي ولم يتخذوه كمادة للتحلية بسبب وجود قصب السكر بوفرة لديهم، فقد وصف العسل في إحدى الكتب الصينية القديمة بأنه “دواء الخلود” ومازال للعسل دور ملحوظ في الطب الشعبي في الصين.
5- في العصور الوسطى
كانت تُجبى ضريبة على قفران النحل في أوروبا واستمر تحصيلها حتى سنة 1934م، وبسبب اعتباره كمادة ثمينة كان يُعتبر كعملة حقيقية حيث كانت تُجبى بعض الضرائب في عهد الإمبراطور شارلمان بهذا الذهب السائل، كما كان الإمبراطور يُجبر المزارعين في تربية النحل ودفع ثلثي محصولهم من العسل.

العسل في الشعر:

حظيت هذه المادة بالإضافة الى النحل بحظ وفير في الشعر بما يظهر عظمة هذه المملكة الصغيرة التي ألهمها الله إعجازاً في خلقها طريقة عيشها، وأنشد المتنبي عندما أهداه عبيد الله بن خراسان هدية فيها سمك من سكر لوز في عسل:

أقل ما في أقلها سمك

يلعب في بركة من العسل

 

وممن استشهد من الشعراء بهذا الشأن أيضاً لدينا الشنفرى:

أو الخشرم المبثوث حثحث دبره

محابيض أرساهن شارٍ معسّلُ

العسل

العسل في الأساطير والقصص:

تنوعت الأساطير وضمت مواضيع عدة حملت جوانب متعددة من حياة الناس، كما تعد الأساطير واحدة من أهم المظاهر الفكرية الدينية في أي حضارة من الحضارات والتي تعكس مدى الإبداع الفكري لدى الأديب في تلك الحضارة.

1- أسطورة انليل وننليل 

ذُكر في أسطورة أنليل وننليل، التي تتألف من نحو 154 سطراً وفيها يتقمص الإله أنليل شخصيات متعددة وتبدأ بوصف مدينة نفرا بنخيلها وبساتينها ومجرى مائها فقد جاء فيها:

(…هذه هي المدينة حيث نسكن

مدينة نفر، حيث نسكن

المدينة المكسوة بالنخيل حيث نسكن

انظر الى مجرى مائها الصافي، قناة السيدات

انظر الى رصيفها، رصيف تفريغ الخمور

انظر الى رصيف التحميل، رصيف القتراب من الضفة

هي ذي فوهة مائها العذب، البئر التي تقطر عسلاً…)

 

2- قصة لوكال – بندا واينمركار
دُونت هذه القصة على لوح تضمن بشكل تقريبي أربعمائة سطر، ويرد فيها أن البطل لوكال-باندا كان قد وجد نفسه في أرض بعيدة اسمها(زابو)، حيث أصبح يحنّ الى العودة لمدينته الوركاء، حيث قام بالعمل لكسب صداقة طير الصاعقة المسمى(أمدكود) الذي يقرر المصائر ويصدر الكلمة التي لا يعصيها أحد، فذهب ذات مرة وكان فيه الطائر بعيداً عن عشه وقدّم الى فراخه الشحم والعسل والخبز.العسل

 العسل في أدب الرثاء

1- – مرثية الإله دامو
أشارت هذه المرثية الى العسل والإله دامو، هو أحد الآلهة الثانوية التي عُبدت في بلاد الرافدين، الذي اختص بوظائف الطب والتطبيب وشفاء الأمراض، وعندما يموت  ينتقل الى العالم السفلي، تقوم كل من أمه وأخته بالبحث عنه ومحاولة إيجاده وقد أعطتنا هذه المرثية تلك المعلومات وهي:
(…أبكي وبكائي على النهر العظيم خوفي ألا يفيض ماؤه
أبكي وبكائي على السنجات خوفي أن لاتكثر أسماكها
أبكي وبكائي على أجمة القصب خوفي ألا يخلف القصب القديم
أبكي وبكائي على الأحراش خوفي أن لا تتكاثر غزلانها ووعولها
أبكي على البساتين المثمرة خوفي ألا تنتج العسل والخمر
أبكي اعلى القصر خوفي أن لا يلد الحياة الطويلة…)

العسل

 

العسل في الطقوس الدينية:

لقد دأب ملوك بلاد الرافدين على الأعمال الدينية التي أرادوا عن طريقها إرضاء آلهتهم فبنوا لها المعابد الفخمة وزودوها بالمؤن التي تحتاجها وقد مارسوا أنواع مختلفة من الطقوس الدينية التي تنم عن ديانتهم والمثول أمام آلهتهم بالشكل الذي يليق بهم بوصفهم ملوكاً، وقد أوردت لنا النصوص المسمارية العديد من تلك الممارسات:
(…أنت صنعت نبيذاً نقياً وعسل وزيتاً وحليباً ونثرها على دكّات الإله نابو والآلهة عشتار…)
هذا وقد دخل العسل في عملية بناء المعابد حيث ذكرت لنا الكثير من النصوص عن إدخاله في عمليات البناء ومن ضمن تلك النصوص: (…هو عمل مسامير المعبد وهي تقطر بالعسل والنبيذ وطحين المسخاتو MASHATU) ، حيث يرتبط هذا الإستخدام بمعتقدات دينية بحتة وذلك لما تحتويه من فوائد لمنع عملية الصدأ.

تناول هذا البحث التعريف بأهمية عسل النحل وذلك في ضوء القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية والطب بالإضافة لذكره في العديد من المصادر التاريخية وكيفية استخدامه في العديد من الأمور الغير طبية، كما استعرض الى التعرف على أهم الفوائد والخواص العلاجية الكامنة، مستعرضاً بذلك بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومن الكتاب المقدس، التي أشارت الى أهميته مع استعراض لأهم مميزاته كدواء شافي لجميع الأمراض وكيفية اكتشاف العلماء انعدام تأثيراته الجانبية على الأجهزة المختلفة.

العسل

قائمة المصادر والمراجع:

  • سعيد، عبد الله: العسل غذاء ودواء، دار الضياء، الأردن، 1990، ط2.
  •  كريمر، صموئيل: الأساطير السومرية، تر: يوسف عبد القادر داوود، بغداد، 1971.
  • محمد، بلسم باسط: العسل في حضارة بلاد الرافدين، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 2023.
  •  هلال، رمضان: عسل النحل في ضوء العلم، دار المعارف، مصر، د.ت.
  •  أثير، أحمد: عمارة المعابد الآشورية وموجوداتها في ضوء النصوص الملكية، مجلة بابل للعلوم الإنسانية، مج20، ع2، 2012.
  • إسماعيل، محمد علي: عسل النحل في القرآن والسنة والتراث، مجلة العلوم والتقنية، ع74، 2005.
  •  عريفي، إبراهيم: العسل في التاريخ والحضارات القديمة، موسوعة النحل والعسل، 2017، من الموقع: arabhoneybee.com.