رحى للمدن القديمة

هل سمعت يوماً عن ساعة تسكنها الأرواح؟؟

ساعة هارون الرشيد تعتبر من أقدم الساعات المائية المعروفة في التاريخ، وتشكل جزءاً من التراث الثقافي لكلاً من الشرق والغرب، كما وتعد هذه الساعة مثالاً رائعاً على التقنيات الهندسية والفنية التي كانت مستخدمة في تلك الحقبة وتظل حتى يومنا هذا رمزاً للتبادل الثقافي والدبلوماسي بين الحضارات المختلفة.

العلاقات الخارجية في عهد  الرشيد (ساعة هارون الرشيد)

اشتهرت الساعة في عهد الرشيد نتيجة لعلاقات الصداقة الودية مع إمبراطور مملكة الفرنجة “شارلمان” والتي كانت عاصمته في ذلك الوقت مدينة “آخن” الألمانية، كما تم تبادل السفارات والبعثات الدبلوماسية بين الدولتين، إذ أرسل شارلمان وفداً إلى هارون الرشيد محملاً بالأقمشة الملكية الفاخرة ليؤكد الصلات الودية بينهما، وليسْعَ لنيل بعض الإمتيازات من الخليفة الخاصة بالنصارى وذلك في عام 797م، كما أراد شارلمان بواسطة هذه السفارات والمراسلات أن يكسب ود الرشيد وثقته، ورغبة منه أيضاً بالشهرة والتفوق على “نقفور” إمبراطور البيزنطيين في الشرق، كما أراد أن يظهر بمظهر الحامي للنصارى في البلاد الإسلامية، وقد سعى شارلمان للإستفادة من التألق العلمي والحضاري عند المسلمين في ذلك الوقت، ومن الناحية التجارية عمل شارلمان على توسيع صادرات الأقمشة إلى أراضي الدولة العباسية ومن ثم تعزيز التجارة في مملكته.

ساعة
رسم تخيلي لهارون الرشيد

هدايا هارون الرشيد وسياسته مع شارلمان

كان هارون الرشيد سعيداً بمقابلة الوفد فأحسن إستقبالهم وأغدق عليهم الهدايا بسخاء، وكانت هداياه مميزة شملت الساعة و سيوفاً معقوفة مصنوعة من الفولاذ الدمشقي وحريراً وعطوراً وشمعدانات.
ويقال إن الرشيد استجاب لهذه السفارات والمراسلات نتيجة العداء بينه وبين البيزنطيين ورغبة منه في القضاء عليهم عسكرياً ومعنوياً وأيضاً نتيجة عداءه للأمويين في الأندلس ورغبته في بسط نفوذه عليهم.

 

بعثة هارون الرشيد (الرحلة الأولى)

وبالمقابل أرسل الرشيد بعثته الأولى الى “شارلمان” لتوثيق الصلات التجارية والثقافية، إذ وصلت أولى بعثات الرشيد الى بيزا الإيطالية عام 801 م يحملون معهم بعض قطع القماش الفاخر الموشاة بخيوط الذهب وبُسط من الديباج وعطوراً من اليمن والحجاز، وشطرنجاً من العاج وبعض الهدايا القيّمة الأخرى كما تضمنت الهدية فيلاً أبيض كان أحد ملوك الهند قد أرسله هدية الى الخليفة المهدي وكان المبعوثون قد أطلقوا اسم (أبو العباس) نسبة الى مؤسس السلالة العباسية، حيث تم اللقاء بين وفد الرشيد وشارلمان في روما، وقد سُرَّ شارلمان بنتائج سفارته الأولى فأوفد الى  الرشيد سفارة أخرى في العام 802م لتوثيق العلاقات مع العباسيين لاسيما أن بغداد بلغت أوج رُقيها العلمي والحضاري في عهد الرشيد في حين كانت أوروبا تغرق في ظلام الجهل والتخلف العلمي والحضاري.

 

إهداء هارون الرشيد ساعة لشارلمان (الرحلة الثانية)

أما عن الساعة المُهداة رد الرشيد على معاودة مراسلته فقام بإرساله بعثته الثانية الى “آخن” في المانيا في عام 802 م، وكان مبعوثوا الرشيد قد شقوا طريقهم عبر البحر الأبيض المتوسط فقدموا الى “شارلمان” هدايا الرشيد في مشهد مهيب وهي عبارة عن خيمة هائلة الحجم مزينة بأبهى النقوش بالإضافة للأقمشة الحريرية وساعة مائية دقيقة تعمل بطريقة ميكانيكية مصنوعة في بغداد من البرونز المطلي بالذهب، كانت الأضخم والأندر في العالم والأغرب بجانب أن الساعة لم تكن معروفة وقتذاك بالنسبة للأوروبيين.

آلية عمل الساعة

كانت الساعة ضخمة بارتفاع حائط الغرفة تتحرك بالقوة المائية وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد من الكرات المعدنية الكبيرة فوق قاعدة نحاسية مفرغة فيُسمع لها رنين موسيقى جذاب في جميع أنحاء القصر وفي ذات الوقت يُفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة والتي تُمثل ساعات النهار و الليل بعد النهار ويخرج منها فارس يدور حول الساعة ثم يعود من حيث خرج فإذا حانت الساعة الثانية عشرة يخرج من الأبواب اثنا عشر فارسًا مرة واحدة ويدورون حول محيط الساعة دورة كاملة ثم يعودون ليدخل كل واحد من حيث خرج وتغلق الأبواب بعد ذلك وراءهم واعتبرها الأوروبيون أعجوبة ذلك الزمان، وقد دُهش “شارلمان” وحاشيته من رؤية هذه الساعة العجيبة وظنوها من أمور السحر، حيث قام بعض الرهبان بنصح شارلمان بالتخلص منها لإعتقادهم أن الجن هم من يحركونها وقد حزن الملك شارلمان حزناً بالغاً واستدعى حشدا من العلماء والصناع المهرة لمحاولة إصلاح الساعة وإعادة تشغيلها، وهذا خير دليل على أن تلك  القصة تدل على الفارق الحضاري والعلمي بين أوروبا والعالم الإسلامي في العصور الوسطى.

الرشيد
الساعة التي تم إهداؤها إلى شارلمان

وفي النهاية إن إهداء تلك الساعة لشارلمان من قبل هارون الرشيد يُظهر التبادلات بين العالم الإسلامي وأوروبا في تلك الفترة، حيث كان للحكماء والعلماء في العصور الإسلامية دور كبير في نقل المعرفة إلى أوروبا، إن هذه الساعة تمثل رمزاً للتبادل الثقافي والتطور في تلك الفترة التاريخية وتبرز أهمية التأثير الإسلامي على التطور في أوروبا.

قائمة المصادر والمراجع:

  • بشارة، فراس: العلاقات السياسية للدولة العباسية في عهد الخليفة هارون الرشيد، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والسياسية، مج38، ع 2، 2022.
  • عطا، سمير: العلاقات الدبلوماسية بين هارون الرشيد وشارلمان، مجلة الفيصل، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ع 306، الرياض، 2002.
  • قطان أحمد، زين محمد طاهر: هارون الرشيد الخليفة المطلوم، مكتبة السندس، الكويت، 1989.
  • كارلس، ديفيز: شارلمان، تر: السيد الباز البعريني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1959.
  • وليم بكللر، فرنسيس: هارون الرشيد وشارلمان، تر: محمود عبد الواحد محمود، بيت الحكمة، بغداد، 2013.