رحى للمدن القديمة

الثلج وطرق حفظه قديماً.. وعلاقة حي قارلق في حلب فيه

لا شكَّ أن الثلج كان معروفاً في منطقة المَشرقِ العربيِّ في بلاد الشام والرافدين، بحُكمِ الطبيعة الجغرافية للمنطقة، وعَرفت كيف تستبقيه طوال العام والاستفادة منه في فصل الصيفِ.

ففي الحضارات القديمة كـ حضارةِ ماري (تل الحريري)، وفي حضارة كارانا (بين الموصل والخابور) حولي 1750ق.م، كان الثلج المجمَّدُ معروفاً، وكان يُنقل من بلدٍ إلى بلدٍ ليُحفظَ في مخازنَ خاصةٍ به وليُستعملَ لتبريد الأشربة والماءِ في فصل الصَّيف الحار، الذي يكون شديد الحرارةِ للقرب من الصحراء، فيلجأ أهلُ تلك المناطق إلى تبريدِ بيوتِهم وأشربتِهم.

بيوت الثلج في ممالك الشرق القديم

فقد بنى ملوك ماري وريماح بيوت الثلج، إذ كان يُحفظ فيها الثَّلجُ بتجميعه خلال الشِّتاءِ ليُستعملَ في الصِّيف، وفي حضارة ترقا (تل العشارة) اِكتشفت البعثاتُ الأثرية بيتاً للثلج وكان الملكُ (زمري ليم) ملكُ ماري قد بنى بيتاً للثلج لم يسبقه إليه أحدٌ في ضِفاف الفرات، وأرسل حاكم ترقا رسالة إلى زمري ليم يطلب إليه إرسال رجال يُشرفون على تسلّم وتجميع وترتيبِ الثَّلجُ في ترقا، والواضحُ من نصوص الرقم الفخاريَّة أنَّ حفظَ الثلج أي (البوظ) لم يكن معروفاً صيفاً قبل أيام ملك ماري زمري ليم.

مملكة ماري
رسم تخيلي لمملكة ماري (تل الحريري)

وكتب (أبلا هندا) ملك كركميش إلى ياشيم-حدّو بعد خلو كرسي الملك الآشوري: ( الآن.. يوجد ثلج في زيرانوم بكَثرة)، وكانوا يشربون النبيذَ مع الثلج، وكتب الملك (شمشي) أدد إلى ابنه: (أمّا في تجميع الثَّلجِ، فهل من الجيد تحميل الحمّالين الثلج من بُعد20-40 مسافة)، وقال: (اطلب من خَدَمِك جميعاً، واجعلهم يُنقّونَه من أغصانِ الشَّجر والوسخِ).

كان الملوكُ يطلبون من عمّالهم التوجّه إلى الغابات لاقتطاع الأخشاب اللازمة لبناء بيوت الثلج التي ذكرناها سابقاً، وهذا يدل على استعمال الخَشبِ لحفظِ بُرودة الثلج، وقوامه الذي يتحولُ إلى التجمّد فيما نسميه (البوظ).

ونعود إلى ذكر مملكة كارانا، ففي منطقة كاتارا كان من المؤكَّد وجودُ مخزنٍ للثلج، لأن شخصاً يدعى (أكباد-حامو) كتب إلى الملكة إيلتاني قائلاً: “دعيهم يفكّون ختم ثلج كاتارا.. إن الآلهة وأنتِ شقيقتك بيلا-سومو تشربون بشكل منتظم”، وتذكر المعلومات القديمة أن بلاد الرافدين عَرَفت الثلج المجمَّدَ على الأقل منذ أيام حمورابي.

الثلـج المجمد في الحضارة الإسلامية

يُدعى الثلج المجمّدُ في بلاد الشام بـ (البوظ)، وقد كان يُجمعُ في مستودعاتٍ خاصةٍ به مُهيَّأةٍ لهذا الغرض، لكنّها كانت بدائيّةَ الصُّنعِ، وكان جبل الشيخ أو جبل الثلج القريبُ من مدينة دمشقَ، هو مصدر توريد إلى العاصمة لِعُلوِّه، ولتراكمِ الثلج طَوال العام فوق قِمّتِهِ.

الثلج
جبل الشيخ

وقد عُرف الثلج المجمَّدُ في الحضارةِ الإسلاميَّة، ونستذكرُ قِصَّةَ وقوعِ أرناط (ريو دي شاتيون)، والملك (كي)، وأخوه (جيفري) في الأسر بيد السُّلطانِ صلاح الدين الأيوبيِّ إثر معركة حطين (583هـ/1187م)، حيثُ كان المَلكُ يلهثُ ظمأً، ويميل من سَكرةِ الرُّعبِ منتشياً، فآنسه السُّلطانُ وحاوره، وفثأ سورة الوجل الذي ساوره، وسكّن رُعبه، وأمّن قلبَه، وأمر له بماءِ مثلوجٍ فشرِبَه، وأطفأ به لهبَه، ثُمَّ ناول (أرناط) الكأس، فاستشفه وبرّد به لهفَه، فقال السلطانُ للملكِ: لم تأخذْ في سقيه مني إذناً، فلا يُوجب ذلك له مني أمناً، وهنا نفَّذ السُّلطانُ قَسَمه بأنْ يقتل (أرناط) بنفسه لِمَا لقي منه المسلمون من أعمال شنيعة ومسيئة.

مشهد تخيلي لانتصار السلطان صلاح الدين الايوبي في معركة حطين
مشهد تخيلي لانتصار السلطان صلاح الدين الايوبي في معركة حطين

طرق حفظ الثلـج

كان لجمعِ الثلج طريقتان في رصّه ضمن الكهوف الصخريَّةِ أثناء الشِّتاء، ووضعه في خزَّاناتٍ كبيرةٍ، وكان هناك طُرقٌ عديدةٌ لحفظ الثلج، وهي:

1-  العَزْلُ:

كان العَزْلُ يَتِمُّ في بناءٍ من القَشِّ والتِّبنِ شديدِ الثَّخانةِ، تُوضعُ في داخله قِطَعٌ من الخَيشِ السَّميك، الذي يُدعى (الجنفيص)، ثم يُجمع الثَّلجُ ويُكبس بِشدةٍ، حتى يمتلئ المستودع، ثم يغطى بالخيش، وهكذا يبقى طوال فصل الصيف دون أن يذوب، أو يبقى لأطول فترة ممكنة قبل أن يذوب.

وكان يُنقلُ أجزاءُ الثّلج المجمّد المعبأ بأكياس الخيش بواسطة البغال او الطنابر التي تجرها البهائم إلى المدن.

وبالنسبةِ للمناطق القريبةِ من الأنهارِ، كانتْ تُنقلُ قِطَعِ الثّلج المجمَّدِ إلى المدن بواسطة الأنهار فوق فُلوّكاتَ عائمةٍ مُسطَّحةٍ من الخشب أو من الجلد، كما في شماليِّ بلاد الرافدين وشمالي بلاد الشام.

أحد مستودعات تخزين الثلج
مستودعات تخزين الثلج في جبال مايوركا في إسبانيا ما بين القرن 16 – 18 م

2-  العَزْلُ بواسطة الصناديقِ المعدنيةِ:

في هذه الطريقة كان يتمُّ وضع الثّلج المجمّدِ في صناديق مصنوعة من معدن التنك، وذلك في القرن التاسع عَشَرَ وبداية القرن العشرين.

3-  صناعةُ الثَّلجِ المجمّد من الماء:

في الهضاب الشمالية لبلاد الشام، وفي أعالي بلاد الرافدين، وفي الهضاب المتلاحقة حتى حدودِ ما وراء النَّهَرِ (نهر سيحون)، تنخفض درجاتُ الحرارة ليلاً في أوائل فصل الصيف وفي أواخره، وتبقى منخفضةً بطبيعة الأمر طيلة ليالي الشِّتاء، وكان سكانُ المناطق تلك قديماً، يُعِدّون مصاطبَ كبيرةً بلا سقوفٍ، تُعبَّأ أولَ الليل بالماء بعُمقٍ بسيطٍ نحْو 5 سم، وأثناءَ الليلِ تتدنى الحرارةُ ليُصبحَ الماء القِراحُ مُتجمداً في الصباح الباكر، وقد لا يكفي للتجمّد أنْ تكونَ درجةُ الهواء (-2) لكن مما يساعد على التجمّد أن تكون السماءُ مكشوفةً ليلاً، مما يُحدث إشعاعاً حرارياً في الأيام الصحو، فتبثُّ الأحجار والمعادن حرارتها نحو الأعلى وتبرد، وهكذا ببرودة الواقع الذي بنيت منه المصطبة يتجمّد الماء ويُصبح ثلجاً.

بيع قطع الثلج المجمّد

أما عن بيعِ قِطَعِ الثلج المجمّدِ في المدن، كان يتمُّ وضعه في أكياس الخَيش، وينادى عليها، وهي ملفوفة تخترق حارات المدن فوق الطنابر التي تجرها الحَيَوَانات، وكان أطفالُ الأحياء يتراكضون تحت الشمس متتبعين خط الماء الذائب من قوالب البوظ التي بدأتْ تتأثر وتصغرُ بفعل الحرارة، فيُسارعُ النَّاسُ إلى شراء ما يبتغون من ألواحِ البوظ لِيُعاودوا لَفَّها، ثم إنزالها إلى أقبية المنازل الباردة، وكلما رغبتْ سيداتُ المنازل تبريدَ الأشربة، اقتطعن من قالب الثَّلجِ المجمّدِ قطعةً ليضعنها في الأباريقِ الزجاجيَّةِ التي تشبه أعناقها، أعناق طيور النُّحَامِ المهاجرةِ التي عادت مع الصِّيف إلى أطراف البُحيرات المنتشرة في الجولان وفي المناطق الرطبة، بل لعل أعناق تلك الأباريق الرقيقة كانت تشبه خصور الصبايا.

وأحياناً كان يتمُّ وضعُ قِطَعٍ من الثَّلجِ في (البادنج) من أجل ترطيب الهواءِ الداخل إلى البيوتِ التقليديَّةِ القديمةِ.

الثلج المجمّد في مدينة حلب

يذكرُ خير الدين الأَسَدي في موسوعة حلبَ المقارنةِ حادثةَ الثلج التي أصابت حلبَ في مطلع القرن العشرين، ويذكر أن الثلج بقي يتساقطُ لأكثرَ من شهرٍ، وكان سكان مدينةِ حلبَ يجمعون الثلج في فصل الشِّتاء، ويجعلونه كومةً كبيرةً يُلقون عليها التِّبنَ ثُمَّ التُّرابَ بعد أن يَرُصوه بمضاربَ، ويتركوه لفصلِ الصَّيفِ ليبيعوه، وكانت ثلوجُ حلب لا تكفي، فيقوموا بنقل الثلوج من مَرعش حيث ثلجُها وفيرٌ، وكان أهل حي (قرلق) يقومون بهذه التجارةِ الرابحةِ، لذلك سُمِّي حيُّهم بقارلق والتي تعني باللغة التركية (المثلجة) ، وهذا ما أكده مؤرخُ حلبَ الشيخُ كاملُ الغَزّي في كتابِه (نهر الذهب)

ثلجة الأربعين في حلب
ثلجة الأربعين في حلب

ومن تُجَّار الثَّلجِ الكبارِ في مدينة حلبَ من نَحْوِ ستينيات القرن العشرين الحاجُ محمودُ الأفندي وأولاده.

ويذكر البَدريُّ في كتابه (نِزهة الأنامِ) في محاسنِ الشام متحدثاً عن الثلج في دمشقَ: “وبها الثلج الذي يُقيم من العام إلى القابل، ويُحمل ثَلجُ السُّلطانِ إلى القاهرةِ مُدةَ العام، وما يستعمل بدمشق الجميع منها يخزنونه في حواصلَ مُعدَّة له”.

وصف المؤرخين للأضرار التي يسببها الثلـج المجمّد

يتحدثُ ابن الجوزيِّ عن الأضرارِ النَّاجمةِ عن الثلج، والماءِ الباردِ بقوله: “الثلج بارد بالطبع يابس بالعرض وفيه خلط يولد سوداء في الكبد جيده ما كان من ماء عذب يجمد يجود الهضم لكنه يُهيّجُ السُّعال، ويُليّنُ المفاصل ويشنّج، ويضر العصبَ لأنّه يحقن البُخاراتِ الحارةَ فيها، ويمنعها من التحلل، خصوصاً التي يتولد فيها اخلاط باردة، دفع مضرته شربه قليلاً قليلاً وهو صالح للأمزجة الحارة، وهو يُطلق البطن أولاً ثم يعقل، وإذا كانت المياه الثليجة والجليدة في آجام كانت رديئة ثقيلة وهي تولد البلغم في الشتاء والمرارة في الصيف، وتورث شاربيها الطحلة وحشو الاحشاء وربما وقعوا في الاستسقاء وتضعف أكبادهم وتولد فيهم الجنون والبواسير، ويعسر على نسائهم الحبل والولادة، ويَلِدن أَجِنَّةً متورمين، والثلج رديء للمشايخِ وماءِ الثَّلجِ يُسكِّنُ وجع الأسنان، والله اعلم”.

وبذلك نرى أن الإنسانَ عَرف أضرارَ وفوائدَ الثلج، والبوظ منذ القِدم، كما استطاع الاستفادةَ من الطبيعةِ، واسْتطاع توظيفَ كلِّ ما فيها بالشكل الذي يُلبّي احتياجاته المختلفةِ.

 

المصادر والمراجع:

  • أبي شامة (شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي، ت665هـ): الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، 5ج، ج3، تح: إبراهيم الزيبق، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1997م.
  • الغزي (كامل بن حسين بن محمد البالي الحلبي، ت1351هـ): نهر الذهب في تاريخ حلب، 3ج، ج2، المطبعة المارونية، حلب، 1923
  • البدري (أبي البقاء عبد الله البدري، ت 894هـ): نزهة الأنام في محاسن الشام، دار الرائد العربي، بيروت، 1980.
  • الأسدي، خير الدين: موسوعة حلب المقارنة، مج2، تح: محمد كمال، منشورات جامعة حلب، د.ت، ط2.
  • الغزي، نادية: الطُرق الشرقية القديمة للتخلص من الحر في بلاد الشام وما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية والخليج العربي وبعض بلدان آسيا وشمالي أفريقية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2017م.