رحى للمدن القديمة

بورتريه الفيوم.. ماعلاقته بعودة الأرواح التائهة وكيف يكون التأنق للموت؟

يعد بورتريه الفيوم شكل من أشكال الرسم المثير للدهشة الذي أتى إلينا من العالم القديم، فهو يتميز بأهميته الاجتماعية وجودته كفنِ نُقل إلينا، امتازت بخروجه على الإطار المصري القديم المألوف إذ انفتحت مصر على العالم الخارجي بعد أن كانت منغلقة على نفسها، إذ أن وجوه الفيوم والمومياوات وسَمها بروحية غريبة،تنبع منها الروعة والإبهار وقوة التأثير، التي تتميز من قدرة مبدعيها وتمكنهم التقني في تصوير البورتريه، ومهارتهم في محاكاة الطبيعة، وقوة بناء الشكل وجمال صياغته، إلى جانب براعتهم في استخدام بعض المتناقضات مما جعل لوحاتهم تفيض بعمق المعنى وقوة التأثير، والقدرة على إثارة الخيال.

 

بورتريه
رسم لإمرأة شابة ترتدي الحلي والمجوهرات

بورتريهات الفيوم:

حرص الفنان المصري القديم على الحفاظ على الملامح الشخصية عن طريق القناع الذي يغطي وجه المتوفي وهي مطابقة لصورة الشخص المتوفي بغرض أن تتّعرف الروح على صاحبها، ومن أشهر الأقنعة قناع توت عنخ آمون.

وتتميز لوحات وجوه الفيوم بتصوير الأشخاص بملامح واقعية معّبرة ووجوه طبيعية تنوعت فيها أعمار ونوعيات الأشخاص، كما تبدو النظرة التأملية في العيون مع هدوء وطمأنينة وابتسامة صافية وكان الغرض من رسم الصور أن تحافظ على شبه المتوفي حتى تساعد الروح على البقاء، لذلك يلاحظ أن هذه المجموعة التي تصور شبابا ًورجالاً ونساء تتميز بدقة في فن التصوير الشخصي لم يظهر مثلها في البلاد الواقعة تحت الحكم الروماني حيث نلاحظ أن الفنان سجل الظلال التي تظهر في الوجه حتى يبدو مجسماً كما اهتم بتوضيح درجات اللون في أجزاء الوجه وتنسب هذه الصور الجالية الاغريقية التي وجدت في الفيوم في عهد الامبراطور هادريان

أما الأزياء فقد جاءت بالقميص اليوناني الذي يغطي الكتفين أو العباءة فوق القميص حيث يصور الرجال بالملابس البيضاء بينما جاءت أردية النساء باللون الأحمر الداكن ونادراً ما لونت باللون الأخضر أو بالبنفسجي ويتم زخرفة الرداء بشريطين ملونين على الأكتاف وعلى جانبي الصدر

ولربما كانت ترسم هذه البورتريهات حال حياة صاحبها وأحياناً ما بعد الوفاة وتوضع على تابوته بعد الموت مكان الرأس، حيث تم العثور على صورتين لإحدى السيدات رسمت لها بعد وفاتها

عملية الرسم على البورتريه:

تمت عملية الرسم حسب ما ذكره متحف الميتروبوليتان الذي كان يحوي عدد من البورتريهات ودراسة التقنيات المستخدمة بالرسم، أنه تم استخدام الطلاء الكاوي والتمبرا على ألواح خشبية، والرسم بالتمبرا على الكتان، والأقنعة والتوابيت المطلية بالجص والكرتوناج( نوع من المواد المستخدمة في غلاف التوابيت والمومياوات والأقنعة الجنائزية المصرية القديمة، كانت مصنوعة من طبقات من الكتان أو ورق البردي مغطى بالجص)

اتبع في الألواح الخشبية الموجودة تقليد الرسم اليوناني المتمثل في تصوير الموضوع في عرض ثلاثة أرباع من الوجه، مع مصدر ضوء واحد يلقي ظلالاً وإبرازات واقعية على الوجه، حيث كانت الملابس وتسريحات الشعر والمجوهرات التي يرتديها الأفراد موجودة في الإمبراطورية الرومانية، مثل كثرة تجعيد الشعر في بعض تسريحات الشعر النسائية، ولم تكن لأي من هذه الأساليب والأزياء أي صلة بالعادات المصرية التقليدية

وأن وضع الصور على الوجوه، وتثبيتها في أغلفة الكتان خاص بالمومياوات المصرية والمعتقدات المصرية،

شعر الناس والمحللون أن هذه البورتريهات أحياناً أنها تخص اليونانيين في صالة الألعاب الرياضية، وأحياناً تخص الرومان في الأدوار الإدارية، أو كمصريين في مجتمعاتهم القروية، أو عند تبجيل الآلهة أو التفكير في الحياة الآخرة، وحيث أن الذين تم رسمهم تتبع لأناس مهمين في المجتمع، حسب أنشطته ووظائفه.

 

 

 

-التقنية المستخدمة في رسم غالبية صور المومياء:

1– encaustic الإنكوستيك (كلمة يونانية وتعني “محروقة”) أي أنه تم استخدام الطلاء الكاوي أي طريقة طلاء يتم فيها خلط الصبغة بشمع العسل، ولقد وجد الباحثون أنه تم استخدام مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأساليب لتحقيق التأثيرات المرغوبة في اللوحات الكاوية مثل الشمع الساخن أو البارد، والرسم السفلي بألوان مختلفة، ووجود مجموعة متنوعة من الأدوات الناعمة أو الصلبة التي تم استخدامها باردة أو ساخنة، والجزء الأجمل من جاذبية

صورة
صورة لشابة صغيرة، ملامح الحزن واضحة على وجهها

اللوحات الكاوية هو تشابهها مع الرسم الزيتي، ومن الخصائص المهمة لصور المومياء الكاوية استخدام رقائق الذهب الرقيقة، في بعض القطع، حيث أن الخلفية بأكملها مذهبة، وفي حالات أخرى تتم إضافة أكاليل الزهور والشرائح، ويتم التركيز على زخرفة المجوهرات والملابس.

2- درجة الحرارة: حيث يتم خلط الأصباغ مع عوامل ربط قابلة للذوبان في الماء، وفي أغلب الأحيان استخدام الغراء الحيواني

3- التمبرا: ترسم على أرضية فاتحة أو داكنة بضربات فرشاة جريئة، وتظليل دقيق ومتقاطع وسطحها غير لامع، على عكس السطح اللامع للوحات الكاوية، هذا النمط من الرسم له سوابق في الرسم المصري القديم في العصر الفرعوني يستدعي مهارة صياغة معينة.

وقد تم وصفه بأنه “الخط”. نظراً لأن الوجوه في لوحات التمبرا عادة ما تظهر في المقدمة، والمعالجة المعقدة للضوء والظل أقل وضوحاً مما هي عليه في الأعمال الطباعية، فقد تكون لوحات التمبرا مرتبطة بشكل أوثق بالتقاليد الفنية المصرية الأصلية. ومع ذلك، هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن رسامي بورتريه المومياء الذين استخدموا تقنية درجة الحرارة تأثروا بشدة باللوحات المرسومة بالرسومات الكاوية، بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء بعض الأعمال باستخدام تقنية مختلطة من الطلاء الكاوي والتمبرا. من غير المعروف ما إذا كان نفس الرسامين قد استخدموا جميع الأساليب (الكاوية، والدرجات الحرارة، والمختلطة).

بعض الأمثلة على بورتريه الفيوم

بورتريه لرجل مومياء، مرسومة بالطلاء الكاوي على خشب الليمون، من حوارة، الفيوم، مصر، 80-100 م.-المتحف البريطاني، لندن.

بورتريه
صورة لرجل مومياء مرسومة على خشب الليمون

تم التنقيب عن الصورة بواسطة السير ويليام بيتري وكانت موجودة سابقًا في المعرض الوطني، يوجد شق يمتد بشكل عمودي عبر الأذن اليمنى، تم وضع العيون بشكل غير متساو، وكان الهامش العلوي مغطى بلفائف من الكتان للمومياء. تم وضع طبقة رقيقة من البارافين على اللوحة لأن الشمع الأصلي ذاب بعد التنقيب

 

بورتريه لامرأة مومياء ترتدي قلادة ذهبية وقلادة ميدوسا ومعلقات أذن ذهبية مرصعة باللؤلؤ، مصر الرومانية، 161-192 م.متحف كونسثيستوريستشس فيينا، النمسا

صورة
رسم لإمرأة ترتدي قلادة ميدوسا

 

 

تم التعّرف على هاتين المومياوات على أنهما بنات ألين، من قبر ألين 24 م، الفتاة التي على اليسار أكبر (4 سنوات) من الفتاة التي على اليمين، وعمرها 2.5 سنة (كان يُعتقد في البداية أن الأخيرة صبي وليست فتاة). أسماء هاتين الفتاتين غير معروف. صورة الفتاة الكبرى تشبه إلى حد ما صورة والدتها. فتاة جادة المظهر تنظر إلينا من وجه ملون،الفترة الرومانية المبكرة في مصر. وهي معروضة في متحف برلين الجديد، برلين، ألمانيا

بورتريه
مومياوات بنات تالين
  • قائمة المصادر والمراجع
  • أولاً-المراجع:
  • أبو بكر، جلال أحمد: الفنون القبطية، دار الأنجلو المصرية، القاهرة،2011،
  • علام، نعمت إسماعيل: فنون الشرق الأوسط في الفترات الهلنستية المسيحية الساسانية، ط4، دار المعارف، القاهرة،1991
  • الألفي، أمال صفوت: متحف كوم اوشيم الفيوم، مطابع المجلس الأعلى للآثار،1994
  • سنيوبوس، شارل: تاريخ حضارات العالم، تر: محمد كرد علي، دار طيبة للطباعة، الجيزة،2012
  • كمال، محرم: تاريخ الفن المصري القديم، دار الهلال، مصر1937
  • ثانياُ-المراجع الأجنبية:
  •   METROPOLITAN Museum of art ANCIENT FACES: MUMMY PORTRAITS FROM, Press release ,ROMAN EGYPT 2000
  •  ثالثاً-المراجع الالكترونية:
  • https://www.worldhistory.org/image/4780/bearded-male-mummy-portrait-hawara/