رحى للمدن القديمة

البتراء

تعتبرُ مدينةُ البتراء في الأردن من المناطق الأثرية الفريدة وتُمثلُ مبانيها المنحوتة في الصخر تحفةً معماريةً نادرة. أُطلقَ عليها اسم المدينة الوردية لتوهجِ لون الحجر الأحمر الوردي في أشعة الشمس الذي يتخلله في بعض المواقعِ عروقٌ من اللون الأصفر واللون الرمادي واللون الأبيض.

يربطُ التاريخُ بينها وبين الأنباط لأنهم أول من أقام فيها فترةً أطول من غيرهم، ولقد ابتدعوا نماذجَ خاصةً بهم من فنونِ البناء والنحت وزخرفةِ الحجارة وصقلها بالإضافة إلى صُنعِ الفخار. كانوا من أسيادِ التجارة في العالم القديم منذ القرن الأول قبل الميلاد وحتى بدايات القرن الثاني الميلادي فبلغت البتراء في عهدهم أوجَ ازدهارها بالرغم من خضوعها للسيطرة الرومانية سنة 106م، حيث أعادَ الرومان تنظيمها فقاموا بإنشاء شارعٍ رئيسي تحيطُ به الأعمدة من جانبيه، وكانت تدمر المدينة المنافسة لها في الشمال.

إنَّ أصلَ اسمها يوناني ويعني الصخر، ووصفها المؤرخُ اليوناني سترابو Strabo بأنها تقعُ على أرضٍ منبسطةٍ ومستويةٍ، لكن تحميها الجبالُ الصخرية من جميع الجوانب التي يعتريها الجفافُ من الخارج وتكثرُ فيها الينابيعُ من الداخل.

تتميزُ البتراء بغنى عمارتها الجنائزية فتَنوعَ نمطُ بناءِ مدافنها من مدافن معبدية ومدافن برجية.

زينت واجهاتُ المدافنِ المعبدية بالأعمدة التي تحملُ التيجان النبطية أو الكلاسيكية، بالإضافة إلى الجبهاتِ المثلثية والأفاريز المزخرفة وتماثيل الآلهة ومن أهم المدافنِ وأشهرها مدفنُ الخزنةِ، وهو من أجمل المباني في الواجهات الصخرية لمدينة البتراء على الاطلاق، فهو بمثابةِ رمزِ الحضارة النبطية.

يعودُ المبنى إلى القرن الأول قبل الميلاد وهنالك تساؤلٌ حول وظيفته هل هي جنائزية أم دينية. وإن تقنيات النحت في الصخر تشبه التقنيات المُتبعة في المناطق الشمالية من بلاد الشام، أما الزخرفة فهي كلاسيكية الأصل.

ومن المدافن التي تُشابه وتضاهي مدفن الخزنة مبنى الدير المخصص للطقوس الدينية، فيضمُ رسوماً منحوتةً في الحجر الصخري تُمثل بعض الصلبان لذلك سُمي بالدير، ويرجح تأريخه إلى القرن الثالث ميلادي.

بالنسبة للمدافن البرجية فتَمثَلَت بواجهةِ برجٍ محفور في الصخر وقد تكون على عدة طبقات. ويوجدُ نمطٌ على شكل واجهةٍ تعلوها أربع مسلات حيث تقع مسلتان قي كل جهة كضريح المسلة، يُشَبهَه البعض إلى معبد رمسيس الثاني في سمبل، ويعود تأريخه إلى النصف الأول من القرن الأول ميلادي.

من آثار البتراء أيضاً مسرحٌ تمتزجُ فيه عدة طُرُزٍ فيظهرُ الطراز النبطي فيه في نحت المقاعد في الصخر، ويتجلى الطراز اليوناني في موقعِ المسرح على منحدرٍ في عمق الجبل، في حين يتمثلُ الطراز الروماني في الشكل النصف الدائري للمسرح.

يستأثر الانتباه قصرٌ لم ينحت في عُمق الجبال الصخرية يُدعى بقصر البنت، يقعُ في سفح الشقيف الغربي تُقام فيه احتفالات دينية فيوجد أمام ساحة المعبد مذبحٌ مخصصٌ لتقديم القرابين، ويضم المعبد قدس الأقداس في الحجرة الرئيسية الذي يحوي تمثال الإله دوشارا. بالإضافة إلى وجود كنائس بأرضيات فسيفسائية.

في الواقع أنّ كل قمةٍ من قمم التلال وكل سفحٍ من سفوحِ الجبال تشتملُ على أثرٍ من تاريخ البتراء، فهي من الأماكنِ التي يُعجبُ المرءُ بجمالها إعجاباً منقطعَ النظير.

المرجع : مكتبة رحى للمدن القديمة .