رحى للمدن القديمة

أبواب القاهرة وأوجه الشبه والاختلاف بينها وبين أبواب الشام

لما استولى الفاطميون على مدينة الفسطاط من الإخشيديين بقيادة جوهر الصقلي عام 358هـ/969م، بدء بتشييد مدينة القاهرة وأطلق عليها القاهرة المنصورة، ولما وصل الخليفة المعز ونزل فيها، سماها القاهرة، ولم تكن عند بناءها أكثر من قلعة لسكن الخليفة وحاشيته، وأُحيطت بسور من اللبن مزدوج الأبراج، وفُتح فيها أربعة أبواب على الجهات الأربعة.

سبب اهتمام الفاطميين بتحصين أسوار وأبواب القاهرة

اهتم الفاطميون بتحصين القاهرة لكي تستطيع مقاومة هجوم القرامطة الذي كان متوقع بعد دخول الفاطميون لمصر، وتذكر الروايات التاريخية أن جوهر كان مهتماً بسرعة إنشاء هذه الأسوار قبل إنشاء أي نوع من الأبنية الأخرى، والسبب كما ذكرنا سابقاً هو توقع هجوم القرامطة، ويؤكد المقريزي هذه الحقيقة، ويقول: “تقيد جوهر باختطاط القاهرة حيث هي اليوم أن يصير حصناً فيما بين القرامطة ومدينة مصر ليقاتلهم من دونها”

أبواب القاهرة
مخطط تخيلي لمدينة القاهرة قديماً

أبواب القاهرة والسور الثاني الذي شيده الوزير بدر الحمالي

في عام 480هـ/1087م بنى الوزير بدر الجمالي في أيام الخليفة المنصور سوراً ثانياً خارج سور جوهر الذي بقي جزء منه وشاهده المقريزي، وبني بدر الجمالي السور من اللبن والأبواب من الحجارة، تهدمت أجزاء كبيرة من السور وبقيت أجزاء منه أهمها باب النصر وباب الفتوح في الشمال، وباب زويلة في الجنوب وتمتاز هذه الأبواب بجودة هندستها وضخامتها وظهور عناصر معمارية هامة لأول مرة، فيمتاز باب النصر انه فُتح بين برجين مربعين بينما فُتح البابان الآخران بين برجين بارزين لهما واجهة دائرية، وفي واجهة باب الفتوح محاريب صماء وعقود مفصصة بطريقة مختلفة، يجعل العقد أشبه بمجموعة من الوسائد المتلاصقة، وهي تظهر لأول مرة، ويعد علماء الآثار مثل هذه العناصر المعمارية واستخدام الحجر الجيد النحت يعود إلى تأثيرات سورية وسلجوقية، ادخلها مهندسين أرمنيين استقدمهم الوزير بدر الجمالي من مدينة الرها (أورفا) شمال حلب وهي ضمن الأراضي التركية حالياً.

وقد ورد عند المقريزي ان ثلاثة أخوة قدموا من الرها وبنوا باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح، وقد اهتم بهذه الرواية الكثير من الآثاريين المستشرقين مثل هوتكير وفييت وكريزويل.

أبواب القاهرة

1- باب النصر في القاهرة

ذكر المقريزي انه كان يتقدم هذا الباب باشورة حتى قامت شقيقة الملك الظاهر برقوق ببناء الصهريج والسبيل تجاه باب النصر فهدمتها وأقامت السبيل مكانها، وكما هو معلوم ان الباشورة جزء من التخطيط العسكري للبوابات، الهدف منها عرقلة هجوم العدو واضطراره للانعطاف عند الدخول وهذا النمط نجده في أبواب مدينة حلب كباب أنطاكية وباب قنسرين وباب الحديد وفي أبواب دمشق أيضاً.

باب النصر في القاهرة
باب النصر في القاهرة

ويبدو انه كان يعلق على هذا الباب أنواع سميكة من الأقمشة تمتص قوة أحجار المناجيق بدليل وجود مواضع بارزة في جانبي البرجين من الأعلى تساعد على تعليق هذه النوعية من المنسوجات.

يضم الباب عدد من النقوش الكتابية بالخط الكوفي تعود للعهد الفاطمي، ومزود بسقاطة لصب السوائل المغلية على العدو في حال الهجوم.

والباب الان عبارة عن كتلة معمارية ضخمة يبلغ ارتفاع واجهته 25م وعرضها كذلك، وينفتح ضمن برجين مربعين.

باب النصر في القاهرة
الزخارف والنقوش الكتابية على باب النصر في القاهرة

2- باب الفتوح في القاهرة

يشير المقريزي إلى أن باب الفتوح الذي شيده بدر الجمالي شمال باب الفتوح في أسوار جوهر الصقلي بحوالي 150 م، كانت له باشورة بنفس تخطيط باب النصر، وذكر ان هذه الباشورة كانت قائمة في عهده ولاحقاً تهدمت ولم يعد لها أثر ربما بسبب ازدياد العمران خاصة في العهد المملوكي.

يحوي الباب نقوش كتابية تتضمن نص التأسيس له، وقد ورد في هذا النص ما يشير إلى تسمية هذا الباب بسوق الإقبال، وهذا الاسم بالإضافة إلى باب العز ثم باب التوفيق هم من الأسماء التي أطلقها بدر الجمالي على الابواب التي أنشأها في أسواره مقابل لأبواب الفتوح والنصر والبرقية في أسوار جوهر، ويلاحظ من النص ذكر الغاية التي أُنشأ من أجلها السور والابواب كما في باب النصر إلى ضرورة حماية الإسلام وهي تدل على ان الخطر الذي كان يهدد مصر في ذلك الوقت كان خطراً من عدو غير مسلم.

باب الفتوح في القاهرة
باب الفتوح في القاهرة

الباب الان عبارة عن كتلة معمارية ضخمة يبلغ طول واجهتها 22.85م، فُتح الباب ضمن برجين مقوسين يبرزان عن السور وهما مبنيان بالحجارة الضخمة، يضمان في جزءهم العلوي عدد المزاغل وينتهيان بشرفات مسننة.

ونلاحظ استخدام نظام الابلق في الساكف المزرر والأقواس التي تعلو المدخل الذي يتناوب فيه ألوان الحجارة بين الأصفر والوردي، وهذه الألوان لم تستخدم في أبواب حلب ودمشق، بل استخدم الأبلق متناوب الألوان بين الأصفر والأسود كما في باب قنسرين في حلب، ويحيط بقوس المدخل زخارف نباتية وهندسية دقيقة الصنع، وللباب درفتان من الخشب المصفح بالحديد.

باب الفتوح
تفاصيل الزخارف في باب الفتوح

3- باب زويلة في القاهرة

يشير المقريزي إلى ان هذا الباب على عكس باب النصر وباب الفتوح لم يُنشأ له باشورة كما هي العادة في أبواب الحصون والمدن.

واستعاض المعمار في باب زويلة عن الباشورة بعمل (زلاقة) من حجارة صوان عظيمة، أي جعل أرض الممر إلى البوابة في هيئة منحدرة ملساء مستخدماً حجر الصوان الأملس المنحوت نحتاً جيداً، فإذا مرت الخيول من على هذه الأرضية المنحدرة الملساء انزلقت وبذلك تعيق دخول خيول العدو من الباب، وأشار المقريزي أن الملك الكامل لما انزلق فرسه بسببها، أمر بنقضها، والأمر الذي يثير التساؤل هو استخدام الزلاقة بدلاً عن الباشورة في هذا الباب، ولربما بسبب أهمية باب زويلة كنقطة اتصال مهمة بين عواصم مدن مصر الإسلامية السابقة على القاهرة في الجنوب وبين مدينة القاهرة، حيث أن معظم حركة المرور الاتية من جنوب المدينة تمر من هذا الباب، وبذلك تعرقل الباشورة حركة المرور، ويكشف هذا التنوع في بناء عناصر مختلفة في الشكل وتحقيق نفس الغرض عن مدى خبرة المعمار الفاطمي بفنون العمارة الحربية.

باب زويلة
رسم قديم لباب زويلة

عرف الباب في خلال العصر العثماني بباب المتولي ربما بسبب وجود ضريح أحد الاولياء ضمنه كما جرت العادة في أبواب مدن أخرى مثل باب وأنطاكية وقنسرين والنصر في مدينة حلب، وهناك رأي آخر وهو أن المتولي لقب طومان باي آخر سلاطين المماليك عندما عينه السلطان قانصوه الغوري نائباً له على القاهرة، فأصبح الباب يعرف بالمتولي بعد حادثة شنق السلطان طومان باي على هذا الباب من قبل العثمانيين عام 923هـ/ 1517م.

باب زويلة
باب زويلة

يتكون الباب حالياً من كتلة معمارية ضخمة، عرض واجهته 25.72م وارتفاعها 20.10م، وينفتح الباب ضمن برجين مقوسين مشابهين لأبراج باب الفتوح وفيها فتحات لرمي السهام، له قوس مدبب وساكف من الحجارة المزررة، وفي عام 818هـ/1415م قام السلطان المؤيد شيخ ببناء مئذنتين لجامعه على برجي الباب.

باب زويلة
مآذن باب زويلة

4- باب البرقية في القاهرة

تم الكشف عن هذا الباب عام 1957م خلال الاعمال التي كانت تقوم بها محافظة القاهرة لإزالة بعض التلال التي كانت في المنطقة، ولم يرد ذكر أي تفاصيل معمارية لهذا الباب عند المقريزي سوا الإشارة إلى اسمه، وكُشف عن لوحة تأسيسية للباب تتضمن اسم الباب الأصلي وهو باب التوفيق، وتاريخ بنائه الذي يعود إلى عام 480هـ، من قبل بدر الجمالي، يتم الدخول إليه عبر ممر منكسر، وبحسب المصادر التاريخية، بقي هذا الباب مستخدماً حتى زمن الحملة الفرنسية 1216-1219هـ/1798-1801م.

باب البرقية في القاهرة
باب البرقية في القاهرة

وبشكل عام نلاحظ انه لم يتم استخدام الرواشن في أبواب القاهرة ماعدا باب النصر كما في مدن الشام مثل حلب ودمشق والقدس، ولا المكسلة.

ترميم أسوار القاهرة في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي واضافة السور الثالث

تذكر المصادر التاريخية ان صلاح الدين الأيوبي عندما تولى الوزارة في العهد الفاطمي زمن الخليفة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين ما بين 564-567هـ/1169-1171م قام في عام 566هـ/1170م بإصلاح أسوار القاهرة لا سيما أن الخطر الصليبي كان يهدد دولة الفاطميين بقوة، وأسوار المدينة متصدعة، ونستنتج أن الاسوار التي شيدها بدر الجمالي لم تقم بوظيفتها التي أنشئت لأجلها أكثر من ثمانين عاماً.

أبواب القاهرة
تخطيط تخيلي لأسوار مدينة القاهرة في زمن السلطان صلاح الدين الأيوبي

ولما وصل السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى الحكم، بنى سور ثالث للقاهرة عام 569هـ/1173م، وأحاط به القاهرة وقلعة الجبل معاً وجعل فيه عدة أبواب وبنى قلعة المقس، وانقطع سور صلاح الدين من هذا الموقع كما انقطع أيضاً تحت قلعة الجبل لموته.

 

المراجع:

  • المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج2، المقريزي.
  • الحضارة العربية الإسلامية اثار وفنون، شكران خربطلي وآخرون.
  • دراسة أثرية في العمارة العباسية والفاطمية، محمد عبد الستار عثمان.
  • موسوعة العمارة الفاطمية ج1، محمد عبد الستار عثمان.
  • دراسات في الاثار الإسلامية، نجدة خماش.
  • مدخل إلى الاثار الإسلامية، حسن باشا.
  • العمارة الإسلامية في مصر منذ الفتح العربي حتى نهاية العصر المملوكي، أحمد عبد الرزاق أحمد.