رحى للمدن القديمة

آلة القانون لحنٌ مُعتّق ما بين الصناعة والعزف

تُعتبر الموسيقى من أرقى الفنون وأقربها إلى النفس البشرية حيث أنّها تخاطب الشعور والوجدان قبل أن تخاطب العقل، وآلة القانون تعد واحدة من أهم الآلات الموسيقية التي تداعب شغاف القلب، وقد احتلت هذه الآلة مكانة مرموقة في التخت الشرقي العربي.

أصل آلة القانون

جاء اسم هذه الآلة نسبة إلى كلمة سومرية هي قانو أي القضيب الذي يُعزف به ويقال أيضاً أنّها جاءت من الكلمة الإغريقية (Kanon) آلة ذات الوتر الواحد تعرف بالمونوكورد وهي آلة استخدمها الإغريق في قياس نسب أصوات السلم الموسيقي، والتي أخذها العرب بواسطة تراجمهم عن المؤلفات الإغريقية إلى اللغة العربية إبان القرن العاشر الميلادي.

يرجع المؤرخون المصريون أصل آلة القانون إلى آلة الصنج المصري القديم التي وجدت لأول مرة في نقوش الأسرة الرابعة (الألف الثالث ق.م)، منذ أكثر من خمسين قرن والتي كانت مطلقة، ومن ثم آلة الآشور التي ظهرت بعد ذلك بحوالي ألف عام أي في الألف الثاني ق.م في نقوش مدينة بابل وآشور، أي أنّ آلات الجنك الصنج والآشور، والمونوكورد تعتبر أصلاً لآلة القانون وفصيلتها، لكننا لا نستطيع الجزم بأن آلة القانون انحدرت مباشرة من آلة الجنك نظراً لاختلاف وضع الأوتار.

أمّا القانون المعروف حالياً هو آلة إسلامية يرجع عهدها إلى العصر العباسي، وقد أرجع بعضهم اختراعها الى أبي نصر الفارابي الفيلسوف المعروف إلا أنّه من المؤكد أن تلك الآلة ترجع بداياتها إلى ما قبل ذلك بكثير وكان للعرب الفضل في استكمالها وتهذيبها حتّى أصبحت بالشكل المعروف الآن.

وبعد أن انتشرت آلة القانون في سائر البلاد العربية انتقلت إلى الأندلس حاملة معها تسميتها العربية، بعد ذلك انتقلت إلى أوروبا في العصور الوسطى حوالي القرن 12 ميلادي، ولاتزال تلك الآلة مستخدمة في كثير من البلدان الأوربية.

تعتبر آلة القانون من الآلات البارزة لما تتميز به من جمال وقوة في الصوت وهي ناجمة عن سماع صوتين إحداهما في القرار والثاني في الجواب يعطي إحساساً للسامع أنه منطلق من آلتين وتريتين.

كما أنّها تتميز بالمساحة الصوتية الواسعة نظراً لكبر حجم الصندوق المصوت للآلة فهو أبو الموسيقى الشرقية، لأنه يُغطي جميع المقامات الشرقية.

شكل القانون وأقسامه

تتكون آلة القانون من صندوق خشبي شكله شبه مُنحرف، يُصنع من الخشب وأفضله خشب الجوز الناشف، وأحياناً من أخشاب أخرى كالسيسم والجام وغيرها، ويعتمد الصانع في صناعته على قياسات معينة وثابتة، وعلى نوعية الخشب الجيد ويتألف من عدة أجزاء:

القبلة: الواجهة العليا القصيرة من الآلة.

الكعب: يطلق على الضلع القائم للصندوق المصوت وبه ثقوب في مجاميع ثلاثية على شكل مثلث تثبت فيها الأوتار بعقد في أطرافها. ويبلغ طوله في القانون العربي 44 سم.

الصندوق المصوت (صندوق الصوت): هي الجزء الأساسي للقانون ويُصنّع عادة من خشب الجوز على شكل شبه منحرف قائم الزاوية ويتكون من قاعدتين كبرى وصغرى (تسمّى القبلة)، وكعب وتلصق فوق قاعدته المنحرفة مسطرة العُرَبات، وتلصق بجانبها مسطرة الملاوي. وتختلف الحجوم والأبعاد، وبهذا يختلف القانون السوري عن القانون التركي.

القاعدة الكبرى: هي التي تمس جسم العازف ويبلغ طولها 100 سم في القانون الذي يصنّع في البلاد العربية.

القاعدة الصغرى (القبلة): هي القاعدة الأفقية ويبلغ طولها 30 سم في القانون العربي.

مسطرة العُرَب: تلصق بالصندوق الصوتي على ضلعه المنحرف، ويأخذ بالانحراف تدريجياً حسب مسافة العُرَب التي تثبت عليها بالنسبة للمقامات الشرقيّة.

الأنف: قضيب من الخشب مثبّت فوق خط اتصال الصندوق المصوت بمسطرة الملاوي ،وبه عدة حزز في مجموعات ثلاثية تمر فيها الأوتار.

العُرَب: قطع صغيرة من المعدن تركب عند الأنف وعددها في القانون العربي 5 عُرَب لكل وتر، تعمل على تغيير صوت الوتر وهي في الواقع من التحسينات التي أدخلت على آلة القانون في العصر الحديث.

مسطرة الملاوي: عبارة عن قطعة من الخشب تشبه المسطرة في شكلها مثبته في الصندوق وبها ثقوب عديدة (المستعمل حالياً 78) وتُثبت الملاوي في هذه الثقوب.

الملاوي: قطع من الخشب صغيرة نصفها الأسفل على شكل اسطواني مسلوب قليلاً من الأعلى إلى الأسفل يخترقه ثقب يمر به الوتر، ونصفها الأعلى على شكل هرم رباعي القاعدة يتحرك بمفتاح معدني.

المفتاح: مفتاح من المعدن، يستعمله العازف في إدارة الملاوي لنصب الأوتار وتسويتها.

الرقمة: إطار من الخشب يشغل ضلعه العرضي أكثر من نصف طول القبلة وضلعه الطولي عرض القانون وينقسم إلى أربعة أقسام في القانون التركي، وخمسة أقسام في القانون العربي، اسم كل قسم منها “كيلة” مشدود عليها رق من جلد السمك ووظيفتها تضخيم الصوت.

الفرس: قضيب من الخشب قطاعه على شكل مثلث مثبته قاعدته على حوامل من الخشب وترتكز على رق الكيلة في وسطها تقريباً وهذه الفرس قابلة للحركة قليلاً لإمكان تكبير قوة الصوت.

الركيزة: قطعة مصنوعة من خشب جيد، توضع على الكيلة لتحمل الفرس، وتكون همزة الوصل بين الفرس والصندوق الصوتي.

الشمسيّة (الفتحات): تطلق على كل الفتحات المستديرة المختلفة الأقطار التي توجد على سطح الصندوق المصوت وهي ضرورية لحدوث رنين الأصوات.

السرو: الفتحة الغير مستديرة في سطح الصندوق المصوت بالقرب من القاعدة.

الأوتار: عددها المُعتاد 78 وتراً مقسمة على (26) وتر ثلاثي، تُصنع حالياً من النايلون وتتفاوت أوتار القانون في الغلظ والحدة، وتتدرج حدتها من الأسفل إلى الأعلى وهي من حيث غلظها ورقتها ثلاثة أنواع معروفة لدى الموسيقين بالأسماء التالية:

الدوكاه للأوتار الغليظة، والكردان للأوتار الرفيعة وهذه التسميات حديثة وفي الأصل كانت تشد للقانون أوتار العود بالمقاسات المعروفة بالعشيران، ثّم الدوكاة ثّم النوى ثم الكردان، وآخر أربع أوتار كانت تشد من وتر (مي) في آلة الكمان.

الكشتبان والريشة: الكشتبان حلقة معدنية دائرية خفيفة تحيط بالسبابة، وتوضع بينها وبين السبابة ريشة لنبر الوتر، وغالباً ما تُصنع الريشة من قرن الجاموس.

آلة القانون
                                                                                        آلة القانون

صنّاع آلة القانون

  1.  حلب: محمد الظن، علي واعظ، صافي زينب، وجيه النائب، شكري الإنطكلي، مروان مشو.
  2.  تونس: بشير البيج.
  3.  دمشق: جودت حلبي.

عازفو آلة القانون في سورية

برز على الساحة الموسيقة السورية العديد من عازفي القانون منهم:

  1.  الدكتور سعد الله آغا القلعة
  2. نبيل قسيس
  3. حسان تناري
  4. الموسيقار سليم سروة

لاتزال آلة القانون من آلات الطبقة العليا من الطرب وقد عُرف عند العرب قديماً كنوع من المعارف يترجم ما يؤديه المطرب من ليالي ومواويل.

 

 

المراجع

  • عباسّ، حسّان: الموسيقى التقليدية في سورية. اليونيسكو، بيروت، لبنان، 2018.

المجلات

  • علوان، أحمد عبد الجواد: تطور استخدام آلة القانون في الأردن، المجلة الأردنية للفنون، مجلد6، 362-443، 2013.
  •  سمير يوسف سمعان، فيولا: آلة القانون وتاريخها، مجلة التربية النوعية، العدد 9، 2019.